الصفحة 30 من 83

والمحاذاة هنا من نَظَرَ إليها من جِهَةِ النظر إلى الطُّرُق المعبَّدة فإنه يجد بَونًا شاسعًا، ومن نظر إلى التصويب فإنه يجد في ذلك تقاربًا، وقد حدثني من نظر في هذه المسألة بالمقاييس؛ قال أني لم أجد فَرْقًا بيِّنًا كبيرًا بين"يلملم"و"جدة"؛ أما من نظر إلى الطرق المعبَّدة أو قياس المسافات بِطُرُقٍ ملتويةٍ ونحو ذلك فإنه يجد مسافةً شاسعةً؛ وحينئذٍ يستشكل هذا الأمر.

وعليه يُعْلِمُ أنَّ جدة داخلةٌ في المحاذاة؛ وإن لم تدخُل في المحاذاة فإنها داخلةٌ فيمن يأتي عن طريق البحر، وقد رخَّص في ذلك غيرُ واحدٍ من العلماء، وهو روايةٌ عن الإمام مالك تحتمل دخولها في هذا الباب رواها عنه ابن المقفع؛ أنه قال: لا يُحْرِمُ راكبُ البحرِ بالسفينة. حمله بعضهم أنه قصد بذلك أنَّه يُحْرِمُ بعد وصوله البَرّ؛ ومنهم من قال أنه أراد بذلك أنه ينفر إلى الميقات؛ كجحفة ويلملم ونحو ذلك، وهذا كله يحتاج إلى بيان.

وظاهر كلام مالك - عليه رحمة الله - أنَّه منع في روايةٍ من الإحرام من البحر، ولا يُزاد عن قوله في ذلك، وقد صنَّف في ذلك كما تقدَّم جعفر الحنفي كتابه"دفع الشدة بجواز تأخير الإحرام إلى جدة"وهذا أراد به مسألةً مخصوصةً لمن قدم عن طريق البحر، وما أراد به تأصيلًا للمسألة على أنَّ جدة يجوز الإحرام منها على وجهِ العموم، فتكون كذات عرق فمسألة المحاذاة تُدْخَلُ في المواقيت عند عامة العلماء؛ وذلك للإجماع لمَّا حدد عمر بن الخطاب - عليه رضوان الله تعالى - ذات غرق.

ويَلْحَقُ في هذه المسألة ما في حكمها مما يحتاجه الناس، ومعنى المحاذاة عند العلماء أنْ يحاذي القادم موضعًا قَدَّرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وليس المرادُ بذلك أن يكون بين ميقاتين كما يفهمه البعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت