وجدة لم تكن معمورةً بذلك، ولم يكن يصل إليها هذا العدد وهؤلاء الحجاج بهذا الجَمْع؛ فكانت غير مقصودةٍ، وهذه المسألة كانت من النوازل، وأفتى فيها جماعةٌ من العلماء بأقوالٍ:
-منهم من قال أنها ميقاتٌ للجميع؛ سواءً كانوا ممَّن يَقْدُمُ عن طريق البرِّ أو البحر أو الجو؛ أنه يُحرم إذا قَدُمَ من جدة.
-ومنهم من قال أنها ميقاتٌ لمن قدم من البحر؛ من المغرب ونحو ذلك، وحمل رواية الإمام مالك - عليه رحمة الله تعالى - على ذلك.
-ومنهم من قال أنها ميقاتٌ على وجه العموم؛ سواءً قُصدت من البر أو البحر أو الجو.
-ومنهم من قال أنها ليست بميقاتٍ على وجه العموم.
وعلى كلٍ فيقال أن الصواب في هذه المسألة أن جدة ميقاتٌ لمن قدم إليها ممن لا يمر على ميقاتٍ غيرها ممن يأتي عن طريق البحر، أو يأتي عن طريق الجو، أو كان من أهلها فإنه يُحرم منها؛ أما أهلها؛ وذلك لأن من قال بالمنع فإنه يقول أنها دون المواقيت؛ فيكون إحرامها من دون الميقات، فتكون هذه المسألة داخلةٌ في الاتفاق؛ وإنما النزاع فيمن كان قادمًا من خارجها؛ فالذي يظهر - والله أعلم - أنه يجوزُ لمن قدم إلى جدة عن طريق البحر أو عن طريق الجو؛ ممَّن لا يَمُرُّ بميقاتٍ، وهل هي أولى أن يُحرم الإنسان من جدة أو أن يحرم عن طريق الجو - الذي يظهر والله أعلم أنَّ إحرام كثيرٍ من الحجاج والمعتمرين الذين يعتمرون عن طريق الجو؛ أنهم لا يحرمون بمحاذاة الميقات تصويبًا على الميقات؛ وإنما يحاذونه من جهةٍ أخرى مائلةٍ عنه؛ وذلك يُرَجِّحُ أنَّ الإحرامَ يكون من جهة جدة لمن كان قادمًا بالطائرة أولى من أن يُحرم من الجو، وهذا هو الأظهر.
وذلك أنها لاحتمال أن تكون محاذية؛ وذلك أنَّ أقربَ ميقاتٍ يحاذي جدة هو"يَلَمْلَمْ"؛ ويبعدُ عن مكة نحوًا من تسعين كيلو؛ وأما"جدة"فإنها تبعدُ عن مكة نحوًا من سبعين.