الصفحة 26 من 83

-الأمر الثاني: أنَّ الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا على نهج محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كما جاء عن أنس بن مالك وعبد الله بن عمر؛ بل وعن عمر بن الخطاب - عليه رضوان الله تعالى؛ فإنَّ كثيرًا من الحجَّاج الذين يبالغون بدفع الأموال الطائلة، ويبالغون بطلب الراحة والأماكن الفسيحة ونحو ذلك، ولا يرغبون بالجلوس مع الناس، ويرغبون بخلواتٍ؛ ليس لذكر الله - سبحانه وتعالى - والتعبد؛ وإنما دفعًا لمخالفة الناس وخُلُوِّ الذِّهن أو الانشغال بقراءة كتبٍ لا علاقة لها بالمناسك ونحو ذلك، لا شكَّ أن هذا من البعد.

وقد جاء في المصنَّفِ عن عبد الله بن عمر - عليه رضوان الله تعالى - أنَّ رجلًا قال له: ما أكثر الحجاج! فقال عبد الله بن عمر: ما أقلهم! ثم نظر عبد الله بن عمر - عليه رضوان الله تعالى - إلى رجلٍ على رَحلٍ رثٍ، قال، لعلَّ هذا، يعني من هؤلاء القليل؛ فإن الفوز والنجاح وكذلك القبول فيمن طَلَبَ المشقة مِن غير أذيَّةٍ في نفسه أولى مِن غيره؛ وذلك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت حالُهُ كذلك.

ومن النوازل في هذا الباب مسألة المواقيت، ومحاذاتها جَوًَّا:

أولًا: يقال أنَّ المحاذاة من جهة الجو لم يدل عليها الدليل من جهة الأصل. وهذا معلومٌ.

العلماء يُلحقون هذه المسألة بأصلٍ وقاعدةٍ، وهي أنَّ الهواء له حُكْمُ القرار، وأنَّه داخلٌ في ملك الإنسان، وكذلك يستدلون بقياس الأَولى؛ قالوا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا جعل للمحاذي في البر، وليس في ملك المالك لو كان يملك ذلك؛ فجَعَله في حُكمه، وقد جاء هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وجاء عن عمر بن الخطاب - عليه رضوان الله تعالى - لما وقَّت ذات عِرق، ولم يكن قبل ذلك ذات عرق؛ فوقَّت عليه رضوان الله تعالى تيسيرًا للناس، فلما كان كذلك كان الهواءُ مِن باب أَولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت