ونتج عن هذا أن كانت الحضارة العلمانية الغربية أرفق من العلمانية العربية، فتصور العلمانيون العرب التلازم السابق ذكره بين العلمانية والحضارة الصناعية الغربية، نتج عنه المبالغة في الانخراط في الأخلاق الغربية والقيم، والبعد عن الدين، وكانت دعوتهم تدعوا للتأسي بالغرب خلقًا أكثر من دعوتهم للتأسي بالغرب صناعة وتحضرًا تقنيًا .
وقاموا بسلوك أي سبيلٍ لبلوغ الغاية وكان أعظم مسالكهم هوَ تزييف الحقائق فكانت الدعوة سريعة الانتشار لكنه سريعة الاندثار فتزييف الحقائق كتزييف النقود مربح جدًا , لكنه خطيرٌ جدًا، فصاحبه يسقط في يوم واحد، وتكسد تجارته .
فدعوتهم لامعة لكن لمعانها كسراب بقيعة، يدعون لنجاة الأمة والأخذ بها من الحضيض وليس لهم من دعوتهم إلا عباراتهم الجميلة .
وقد صدق الرافعي حينما قال في أمثالهم: هم يقولون أنّهم يريدون بآرائهم الأمة ومصالحها ومراشدها , ويقولون في ذلك بما يسعه طغيانهم على القول واتساعهم في الكلام واقتدارهم على الثرثرة, حتى إذا فتَّشت وحقَّقت لم تجد في أقوالهم إلا ذواتهم وأغراضهم وأهواءهم يريدون أن يبتلوا بها الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم, كالمسلول يُصافحك ليُبلغك تحيته وسلامه , فلا يُبلِّغك إلا مرضه وأسباب موته .
فدعوا للحرية وهذا مطلب جاهلي قديم وإن غير مسماه طالب به قوم شعيب وجهال قريش، وبحثوا يريدون في كل حكم شرعي علة ظاهرة تقنع كل عقل مهما ضحل وقل فهمه، وإلا فالشرع متهم، ونسوا أن الحكمة لو كانت ظاهرة جلية في كل حكم، وقبلها كل عقل بلا أدنى تفكر، لأصبح لا يخالف الشرع إلا المجانين والسفهاء، ولا محل للابتلاء حينئذٍ .
فقد نهى شعيب قومه عن معاملات اقتصادية محرّمة فطلبوا الحرية، فقالوا: ما علاقة صلاتك ودينك باقتصادنا .
قال تعالى: ( قالوا يشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد) ..