قَالَ بَعْضُ قُضَاةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ عَزَلَهُ: لِمَ عَزَلْتَنِي؟ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ كَلَامَكَ مَعَ الْخَصْمَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ!!
فضائل اللسان
واللسان له فضائل، فمنها الصدق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:119) .
ومنها القول الحسن: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (الاسراء: من الآية53) .
وهذا القول الحسن يترك آثارًا حسنة، {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه:44) . {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} (الفرقان: من الآية63) .
وخفض الصوت من الأدب لقول الله تعالى: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} (لقمان: من الآية19) .
وهذه من وصايا لقمان الحكيم. وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه موقوفًا أنه كان في عهد داؤود عليه السلام.
وإذا قال قائل: إن الأدلة في الكلمة الطيبة كثيرة، وانها صدقة، ويحصل بالكلام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ العلم وذكر لله ما يكون، فهل الأفضل الكلام بهذا أما الصمت، فلا شك أن استعمال اللسان فيما يرضي الله عز وجل أفضل وأحسن، فبالكلام يبين الدين وبه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبه يعظم ربه ويسبحه، وبه يبين للناس ما نزل الله على عباده، ويستعمل البيان وهو نعمة في خدمة دينه، {خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (الرحمن:3 - 4) .
وبه تؤدى العلوم وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) ).
فأما إذا لم تترجح مصلحة الكلام ولم تظهر الطاعة والخير في النطق، فلا شك أن الصمت هو ستر للجاهل وزينة للعالم، وقلة الكلام مكرمة في الإسلام، واللسان سبع من أرسله أكله، وما من شيء ثني إلا قصر إلا الكلام، فإنه كل ما ثني طال، والكلام في الخير كله أفضل من الصمت، والصمت