في الشر كله أفضل من الكلام، وأهل الصراط المستقيم، صراط الله عز وجل، ينظرون في مرضاة الرب، فإن كان في الكلام تكلموا، وإن كان في السكوت سكتوا.
قال ابن القيم رحمه الله:
(وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوت بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه، وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب، فاستدل عليه بحركة اللسان؛ فإنه يطلعك على ما في القلب، شاء صاحبه أم أبي) . الجواب الكافي.
ولم يكن في عباداته ديننا الصمت المطلق، لقوله عليه الصلاة والسلام: (( ولا صُمات يوم إلى الليل ) )رواه أبو داود، وصححه الألباني.
وقد كان في عبادات بني إسرائيل من قبلنا نذر صمت يومٍ كامل، {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا - يعني صمتًا - فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا* فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} (مريم: من الآية: 26 - 28) .
وأما في هذا الدين فأنه لا يشرع التعبد بالصمت في اليوم كله، وأن يتكلف الإنسان فيستعمل لغة الإشارة وله لسان، ولكن من الدين والإسلام قلة الكلام، وعن قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ. فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ؟
قَالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً! -يعني نذرت أن تحج صامتة-
فقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ. أخرجه البخاري.
ومن الصمت ما يكون واجبًا، كالصمت للخطبتين، كما قال عليه الصلاة والسلام: (( إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ ) ).
ولذلك يجب الصمت لهما.