وجاءت الأحداث الأخيرة المريرة، جاءت الفتن التي هي كقطع الليل المظلم، التي نعيش فيها هذه الأيام ونتجرع غصصها، فماذا حدث؟!
حدث ما يريده الأعداء، واستبيحت لحوم العلماء، ولم يقتصروا على نهش أعراض طلاب العلم والدعاة، بل فتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب؛ حتى تطاول العامة، وتطاول المنافقون والعلمانيون على علمائنا، وقلما تدخل مجلسا فتجده منزها عن الوقيعة في عالم من العلماء؛ فقلت: إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فكانت هذه السطور تذكيرا، ونصحا، وتبيانا، وتحذيرا من عاقبة الحديث في العلماء، والولوغ في أعراضهم وحرصت -بقدر الإمكان- على توضيح السبيل الصحيح لمعالجة هذه القضية، وفق منهج أهل السنة والجماعة.
ورحم الله ابن عساكر حين قال:"اعلم يا أخي -وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب؛ بلاه الله قبل موته بموت القلب"، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: من الآية63) .
وموضوع"لحوم العلماء مسمومة"طويل، وعناصره كثيرة. ولكنني سأحاول الاختصار -بقدر الإمكان-، مكتفيا من القلادة بما أحاط بالعنق.
ثالثًا: أسباب طرق هذا الموضوع
يمكن تلخيص أسباب الحديث عن هذا الموضوع فيما يأتي:
1-إن مكانة العلماء في الإسلام مكانة عظيمة؛ مما يوجب توقيرهم وإجلالهم.
2-تساهل كثير من الناس في هذا الأمر.
3-وقوع بعض طلاب العلم في علمائهم من حيث لا يشعرون.
4-عدم فهم كثير من الدعاة للمنهج الصحيح في معالجة هذه القضية.
5-الهجمة الشرسة المنظمة من المنافقين والعلمانيين على علمائنا، تبعا لأسيادهم من اليهود والنصارى.
رابعًا: مكانة العلماء وفضلهم
قال الله -تعالى-: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر: من الآية9) ، ويقول -سبحانه-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: من الآية28) ، ويقول -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: من الآية59) وأولو الأمر -كما يقول أهل العلم-: هم العلماء، وقال بعض المفسرين: أولو الأمر: الأمراء والعلماء.