الصفحة 56 من 156

وجاء في المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهيّ [1] :

قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أن شيئًا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أرفع من الرضا؛ وهو رأس المحبة. قيل له: متى يكون العبد راضيًا عن ربه؟ قال: إذا سرته المصيبة كما تسره النعمة.

وفي صفة الصفوة لابن الجوزي [2] : عن عبد الله بن عمر الكوفي قال: كان عندنا بالكوفة رجل قد خرج عن دنيا واسعة وتعبد. قال: وكان الفضيل بالكوفة في أيامه. قال: فقدم ابن المبارك، فقال له الفضيل: إن ها هنا رجلًا من المتعبدين قد خرج عن دنيانا، فامض بنا إليه ننظر عقله.

قال: فجاؤوا إليه وهو عليل، وعليه عباء، وتحت رأسه قطعة لبنة، قال: فسلم ابن المبارك عليه، ثم قال: يا أخي، بلغنا أنه ما ترك عبد شيئًا لله إلا عوضه الله ما هو أكثر منه، فما عوضك؟ قال: الرضا بما أنا فيه. فقال ابن المبارك: حسبك. وقاما على ذلك.

وفي قوت القلوب [3] : وإنما كان سبب ترك سري السقطي السوق وزهده في الدنيا قوله: الحمد للّه، لأنها كلمة رضا، ظهرت منه في موضع الاسترجاع للمصيبة، وذلك أنه بلغه أنّ الحريق وقع في سوقه فأحرق دكانه، فخرج في قطع من الليل، فاستقبله قوم، فقالوا: يا أبا الحسن، احترقت دكاكين الناس إلا دكانك، فقال: الحمد للّه ...

ثم تَفَكّر في ذلك، فقال: قلتُ الحمد للّه في سلامة مالي، وهلاك أموال إخواني المسلمين. فتصدق بجميع ما كان في دكانه من السقط والآلة، كفارة لكلمته هذه، وخرج من السوق، فشكر اللّه له فعله، فزهد في الدنيا، ورفعه إلى مقام المحبة، فأوصله ترك الرضا إلى الرضا.

وبلغني عنه قوله: قلت كلمة، فأنا أستغفر اللّه منها ثلاثين سنة، يعني قوله: الحمد لله في تلك الحالة. انتهى.

اللهمّ أنت الباقي، الوارث، وأنت الرشيد، الصبور. اجعلنا من عبادك المؤمنين، الصابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس، واجعلنا من الصادقين، المتقين.

(1) ج1: باب الفصل الثاني في القناعة والرضا.

(2) ج1: باب نمير المجنون.

(3) ج1: باب ذكر أحكام مقام الرضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت