ولمّا كان للتقوى هذه المنزلة، فقد كانت السبل الموصلة إليها شريفة سامية، دَلَّنا عليها القرآن الكريم، وأرشدنا إليها الرسول محمد عليه أزكى الصلاة وأطيب التسليم ... ومن هذه السبل:
1 ـ العبادة
التقوى ثمرة العبادة وهدفها، كما قال الله سبحانه وتعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". [1]
وبين العبادة والتقوى ترابط وثيق. وتحقيق أيّ منهما يحقق الأخرى ويزيد فيها، بل تكاد كلّ منهما تحلّ محلّ الأخرى.
وكما أنّ التقوى هي الغاية من العبادات عامّة، فهي الغاية من إرسال الرسل عليهم جميعا الصلاة والسلام. نلمس ذلك جليّا في سورة الشعراء، فضلا عن أمثلة في سور: البقرة، والأعراف، والمؤمنون.
قال الله سبحانه وتعالى:"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ". [2]
وقال سبحانه وتعالى:"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ". [3]
وقال سبحانه وتعالى:"إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ". [4]
يقول سيّد قطب في موسوعته"في ظلال القرآن"تعليقا على الآية الآنفة الذكر:
العبادة: إنّه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم. ربهم الذي تفرد بالخلق، فوجب أن يتفرد بالعبادة .. وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققونه:"لعلكم تتقون"... لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة
(1) البقرة: 21.
(2) الأعراف: 65.
(3) المؤمنون: 23.
(4) الشعراء: 142. وانظر كذلك الآيات: 106، و 124، و 161، و177 من السورة نفسها.