والدعاءُ تتحقَّق به عبادةُ ربِّ العالمين؛ لأنَّه يتضمَّن تعلّقَ القلب بالله تعالى، والإخلاصَ له، وعدمَ الالتفات إلى غير الله عز وجل في جلبِ النفع ودفع الضرّ، ويتضمَّن الدعاءُ اليقينَ بأنّ الله قدير لا يُعجزه شيء، عليم لا يخفي عليه شيء، رحمن رحيم، حيّ قيّوم، جواد كريم، محسِن ذو المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، لا يُحَدُّ جودُه وكرمه، ولا ينتهي إحسانُه ومعروفه، ولا تنفد خزائن بركاته. فلأجلِ هذه الصفات العظيمة وغيرِها يُرجى ربُّنا ويُدعى، ويسأله من في السموات والأرض حاجاتِهم باختلاف لغاتِهم.
يقول مطرّف بن الشخير (تذكرت جماع الخير فإذا الخير كثير:الصوم والصلاة ،وإذا هو في يد الله وإذا أنت لم تقدر على ما في يد الله عز وجل إلا أن تسأله فيعطيك فإذا جماع الخير:الدعاء ) (1)
فما أعظمَ شأنَ الدعاء، وما أجلَّ آثارَه، ولهذا جاء في فضل الدعاء ما رواه أبو داود والترمذي من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( الدعاءُ هو العبادة ) ) (2)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء ) ) (3)
إن الدعاء من أعظم العبادات, فيه يتجلى الإخلاص والخشوع, ويظهر صدق الإيمان, وتتمحّص القلوب, وهو المقياس الحقيقي للتوحيد, ففي كلامٍ لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إذا أردت أن تعرف صدق توحيدك فانظر في دعائك.
الدعاء إستعانة من عاجزٍ ضعيف بقويٍ قادر، واستغاثة من ملهوف برب قادر، وتوجه ورجاءٌ إلى مصرِّفِ الكون ومدبِّر الأمر، لِيُزيلَ عِلَّة، أو يَرْفَعَ مِحْنَة، أو يَكْشِفَ كُرْبَة، أو يُحَقِّقَ رجاءً أو رَغْبَة...قائلًا
(1) - الزهد ص (295) - أحمد بن حنبل
(2) - قال الترمذي:"حديث حسن صحيح"وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1312)
(3) - رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (3087)