"وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم خيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبب إليهم هذه الأخبار ويرغبهم فيها، إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم الحياة، وفرق عظيم بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخبر، صارفة عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش" [1] .
كما أنه نشر في الفترة نفسها كتابة"من بعيد"وهو عبارة عن مجموعة مقالات كتبها خلال أعوام (1923 - 1930م) ، وصدرت الطبعة الأولى منه عام 1935م، وهو لا يشير إلى أي تحول فكري عن الخط السابق.
ثم أصدر كتابه الأخطر وهو"مستقبل الثقافة في مصر"عام 1937م، وهو أوضح تعبير عن مشروع طه حسين الفكري القائم على التغريب، والعلمانية الصرفة [2] .
(1) طه حسين، على هامش السيرة، دار المعارف، القاهرة، 1987، ط31، ص، ي-ك.
(2) قدم في كتابه"من بعيد"رؤية علمانية للعلاقة بين ثالوث الدين والعلم والسياسة، وأكد فيه على علمانية الدولة المصرية. طه حسين، من بعيد، دار العلم للميلايي، بيروت، ط4،1967، ص206 - 254. أما كتابه"مستقبل الثقافة"فهو يمثل خلاصة فكر طه حسين خلال فترة الدراسة، وهو وإن كان برنامجًا لمستقبل الثقافة والتعليم في مصر بعد معاهدة 1936، فإنه يعبر عن الرؤية الفكرية العامة لطه حسين في ميادين الحياة المختلفة، ويمكن اعتباره آخر مرافعة فكرية لطه حسين خلال فترة ما بين الحربين العالميتين.