ماذا تحتسبين في
تحسين أخلاقك؟
لا يكاد يميز الناس أخلاق بعضهم من بعض في لقاءات عابرة، بل يحتاج الإنسان إلى وقت طويل حتى يحُك المعدن ويظهر له بريق الذهب أو صدأ الحديد! ..
إذ ليس للإنسان ميزة في تحسين أخلاقه مع من هو أعلى منه أو في مستواه، فهذا شيء يتجمل به الجميع في الغالب .. ولكن الفضل كل الفضل في تحسين أخلاقك مع من هو دونك، ومع من أساء إليك!
إن معنى حسن الخلق"أن يكون سمحًا لحقوقه لا يطالب غيره بها، ويوفي ما يجب لغيره عليه منها، فإن مرض ولم يُعَدْ، أو قدم من سفر فلم يُزر، أو سلم فلم يُرد عليه، أو ضاف فلم يكرم، أو شفع فلم يجب، أو أحسن فلم يشكر، أوتكلم فلم ينصت له، ... وما أشبه ذلك، ولم يغضب، ولم يعاقب، ولم يتنكر من حاله حال، وإنه لا يقابل كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله، ويقابل كلًا منه بما هو أحسن وافضل وأقرب منه إلى البر والتقوى، فإذا مرض أخوه المسلم عاده، وإن جاء في شفاعة شفعه، وإن احتاج منه إلى معونة أعانه، ولا ينظر إلى أن الذي يعامله كيف كانت معاملته إياه فيما خلا، إنما يتخذ الأحسن إمامًا لنفسه" [1] .
وإن شئت فقولي بعبارة أوجز حسن الخلق هو:"بذل المعروف قولا وفعلا، وكف الأذى قولا وفعلا" [2] .
ولكن بالرغم من حاجتك للوقت الكافي حتى تتعرفي على أخلاق الآخرين، إلا أنك أحيانًا تشعرين بذات الخلق الحسن ... تحسين بوجودها وتميزينها سريعًا ... مثلا في طريقة تحدثها مع المرأة المسنة .. في طريقة تعاملها مع الخدم .. في مواقفها مع من يسيء إليها أو يقصر في حقها عندما تتاح لها فرصة مناسبة جدا للنيل من الآخر دون حسيب أو رقيب بل قد تجد التشجيع كل التشجيع ممن حولها ولكنها تمتنع عن إلحاق الأذى بمسلم أو مسلمة حتى ولو بكلمة عابرة! ...
ولسان حالها يقول: إني أعامل الناس بأخلاقي ولن أنقص قدري عند ربي لأتعامل معهم بأخلاقهم أبدا ...
لقد ذهبت بكل خير ... وسبقت كثيرات بمسافات شاسعة ... وتركت القيل والقال، والمكر بالليل والنهار، وحمل الأضغان لأهله الحمقى! ... فأراحت قلبها ... وحافظت على حسناتها، وفرغت نفسها للعبادة، فهي
(1) - ينظر مختصر شعب الإيمان، للقزويني (116 - 117) .
(2) - نظرة النعيم / 5 (ص1572) .