« فإن قيل: فهل لهذا عذر في ضلاله إذا كان يحسب أنه على هدى ، كما قال تعالى: { ويحسبون أنهم مهتدون } (1) ، قيل: لا عذر لهذا وأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم - ولو ظن أنه مهتد فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى ، فإذا ضل فإنما أتي من تفريطه وإعراضه ، وهذا بخلاف من كان على ضلالة لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها ، فذاك له حكمٌ آخر ، والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول ، وأما الثاني: فإن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى:
{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ، وقال تعالى: { رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } (2) ، وقال تعالى في أهل النار: { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } (3) » .
قال ابن القيم أيضًا - رحمه الله -: ( وأما بأي شيء تقوم الحجة: فهذا يختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ، فما تقوم الحجة في عصور ازدهار العلم غير ما تقوم به في عصور انحطاطه ، وما تقوم به في المدن غير ما تقوم به في البوادي البعيدة عن العلم وأهله ، كما أن الحجة تختلف من شخص إلى آخر بحسب تفاوت الناس في العلم وقدراتهم ، فليراع كل ذلك .
(1) الزخرف: 32.
(2) النساء / 165.
(3) النحل / 118 ، ( 1/208 ، تحقيق الشيخ علي حسن الحلبي الأثري - حفظه الله - ) .