قال العيني: « أشار البخاري بهذه الآية الكريمة أن قتال الخوارج والملحدين لا يجب إلا بعد إقامة الحجة عليهم وإظهار بطلان دلائلهم ، والدليل عليه هذه الآية ؛ لأنها تدل على أن الله لا يؤاخذ عباده حتى يبين لهم ما يأتون وما
يذرون » (1) .
قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: « لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه- صلى الله عليه وسلم - أمته لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها ، لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القول بها فيما روى عنه العدول ، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر ، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر ، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها » (2) .
وقال ابن قدامة المقدسي - رحمه الله - بعد ذكره لجماعة من السلف استحلوا بعض المحرمات بتأويل فلم يكفروا:
» فيخرّج فيمن كان مثل حكمهم ، وكذلك كل جاهل بشيء يمكن
أن يجهله لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك « (3) .
ويقول في موضع آخر: « فمن أنكر وجوبها - يعني الزكاة - جهلًا به ، وكان ممن يجهل ذلك ، إما لحادثة عهده بالإسلام ، أو لأنه نشأ ببادية نائية من الأمصار ؛ عرِّف وجوبها ولا يحكم بكفره ؛ لأنه معذور .. » (4) .
ومن أدلة السنة الصحيحة ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ما وجه: (( أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ومن مات في الفترة:
فأما الأصم فيقول: يارب جاء الإسلام وما أسمع شيئًا .
وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر .
وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل .
(1) عمدة القاري: 19/369.
(2) فتح الباري 12/407 ، ومعارج القبول 1/329 .
(3) المغني لابن قدامة10/85-86 .
(4) المصدر السابق 2/435 .