الصفحة 16 من 17

ولهذا فإني أرجح رأي جمهور الفقهاء لقوة أدلته، ومع هذا فإني أرى أنه من الاحتياط أن لا يقتصر على المد الواحد، لأن من الجائز أن يكون العرق الذي أتى به النبي -صلى الله عليه وسلم- المقدر بخمسة عشر صاعا قاصرا في الحكم عن مبلغ تمام الواجب عليه، مع أمره إياه أن يتصدق به، ويكون تمام الكفارة باقيا عليه إلى أن يؤديه عند اتساعه لوجوده، كمن يكون عليه لرجل ستون درهما، فيأتيه بخمسة عشر درهما، فيقال لصاحب الحق: خذه، ولا يكون في ذلك إسقاط ما وراءه من حقه، ولا براءة ذمته منه [1] -والله أعلم بالصواب-.

الفرع الثاني

بما يتأدى الإطعام في الكفارات؟

هل يتأدى الإطعام في الكفارات بأن يغدي المساكين أو يعشيهم أم أنه لابد من تمليك المساكين القدر الواجب لهم فيها؟

اختلف الفقهاء في الإجابة عن ذلك على رأيين:

الرأي الأول:

أن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه في أظهر الروايتين عند أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي [2] . وعند الشافعي لا يتأذى إلا بالتمليك من الفقير [3] .

وحجة هذا [4] :

الشارع قدر ما يجزئ في الدفع بمد أو نصف صاع، وإذا أطعمهم لا يعلم أن لكل واحد منهم استوفى الواجب له.

ووجه ذلك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين قدر ما يطعمه كل مسكين بما ذكرنا من الأحاديث، وهي مقيدة لمطلق الإطعام المذكور، والمطلق يحمل على المقيد. ولا يعلم أن كل مسكين استوفى ما يجب له. ولأن الواجب تمليك المسكين طعامه، والإطعام إباحة وليس بتمليك.

والشافعي -رحمه الله- يقول [5] : الإطعام يذكر للتمليك عرفا يقول الرجل لغيره أطعمتك هذا الطعام أي ملكتك، والمقصود سد خلة المسكين واغناؤه، وذلك يحصل بالتمليك دون التمكين، فإذا لم يتم المقصود بالتمليك لا يتأدى الواجب كما في الزكاة وصدقة الفطر. وقياس بالكسوة، فإنه لو أعار المسكين ثيابا فلبسوا بنية الكفارة لا يجوز، فكذلك الإطعام، والجامع أنه أحد أنواع التكفير.

الرأي الثاني:

يجزيه أن يدعو ستين مسكينا فيغديهم ويعشيهم، وهو رأي الأحناف والظاهرية، والرواية الثانية عند الحنابلة.

وأصحاب هذا الرأي يرون أن الإطعام في الكفارات يتأدى بالتمكين من الطعام.

قال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن امرأة أفطرت رمضانا ثم أدركها رمضان آخر ثم ماتت. قال: كم أفطرت؟ قال: ثلاثين يوما. قال: فاجمع ثلاثين مسكينا وأطعمهم مرة واحدة وأشبعهم. وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للمجامع"أطعم ستين مسكينا"وهذا قد أطعمهم [6] .

وقال الأحناف [7] .

المنصوص عليه الإطعام وحقيقة ذلك في التمكين، والمقصود به سد الخلة وفي التمليك تمام ذلك، فيتأدى الواجب بكل واحد منهما.

أما بالتمليك، فلأن الأكل الذي هو المنصوص جزء مما هو المقصود بالتمليك، لأنه إذا ملك فإما أن يأكل أو يصرف إلى حاجة أخرى، فيقام هذا التمليك مقام ما هو المنصوص عليه لهذا المعنى، ويتأدى بالتمكين لمراعاة عين النص. والدليل عليه أنه يشبهه بطعام الأهل فقال من أوسط ما تطعمون أهليكم وذلك يتأدى بالتمليك تارة وبالتمكين أخرى. فكذا هذا، لأن حكم المشبه حكم المشبه به.

مناقشة أدلة الرأي الأول:

1 -ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إيجاب تمليك، والذي فيهما لفظ الإطعام، ولا تعرف العرب من ذلك إيجاب تمليك. النص صريح في إطعام ستين مسكينا يطعمهم من وسط ما يطعم أهله [8] .

ويرد على ما قاله الشافعي بما ذكره الأحناف في تأييد وجهة نظرهم.

وقياس الإطعام على الكسوة مردود، للاختلاف بينهما، لأن الكسوة بكسر الكاف عين الثوب، فإما الفعل بفتح الكاف كسوة وهو الإلباس، فثبت بالنص أن التكفير بعين الثوب لا بمنافعه، والإعارة والإلباس تصرف في المنفعة فلا يتأدى به الواجب. فأما في التمكين من الطعام المسكين طاعم للعين، وبالتمكين يحصل الإطعام حقيقة. وهذا بخلاف الزكاة، فالواجب هناك فعل الإيتاء بالنص وفي صدقة الفطر الواجب فعل الأداء وذلك لا يحصل بالتمكين بدون التمليك [9] .

الترجيح:

بعد العرض السابق للرأيين، وأدلتهما، وما ورد على أدلة الرأي الأول من مناقشات يبدو لي أن رأي القائلين بأجزاء الطعام -وهو رأي الأحناف ومن معهم -هو الراجح- لقوة أدلته، وسلامتها من المناقشة، ولأنه -صلى الله عليه وسلم- قال للمجامع"أطعم ستين مسكينا"- والله أعلم بالصواب-.

(1) انظر: المرجع السابق.

(2) انظر: المغني 3/ 130.

(3) انظر: انظر الأم للشافعي 2/ 99، دار المعرفة، بيروت.

(4) انظر: المغني 3/ 130.

(5) انظر: المجموع 17/ 378 - 379.

(6) انظر: المبسوط 7/ 14، 15، المغني 3/ 131، المحلى بالآثار 4/ 333.

(7) انظر: المبسوط 7/ 15.

(8) نظر: هامش المغني 3/ 130.

(9) انظر: المبسوط 7/ 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت