لا نعلم بين أهل العلم خلافا في دخول الإطعام في كفارة الوطء في رمضان في الجملة، وهو مذكور في الخبر الصحيح. والواجب فيه إطعام ستين مسكينا في قول عامتهم، وهو في الخبر أيضا، ولأنه إطعام في كفارة فيها صوم شهرين متتابعين، فكان إطعام ستين مسكينا ككفارة الظهار [1] .
واختلف الفقهاء في قدر ما يطعم كل مسكين، وذلك على رأيين:
الرأي الأول:
ذهب جمهور الفقهاء: مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، والظاهرية إلى أن لكل مسكين مدبر، وذلك خمسة عشر صاعا، أو نصف صاع من تمر أو شعير، فيكون الجميع ثلاثين صاعا.
وخالف الظاهرية فقالوا: مد يمد النبي -صلى الله عليه وسلم- مما يوكل ويكال، فإن أطعمهم طعاما معمولا فيجزئه ما أشبعهم أكلة واحد، أقل كان أو أكثر [2] .
الرأي الثاني:
يرى أبو حنيفة أنه لا يجزئ إلا نصف صاع بر، أو مثله من سويقه أو دقيقة، أو صاع من شعير، أو زبيب، أو تمر، لكل مسكين، وبهذا قال أصحابه [3] .
سبب الخلاف [4] :
يرى ابن رشد أن سبب اختلاف الفقهاء هو معارضة القياس للأثر أما القياس فتشبيه هذه الفدية الأذى المنصوص عليها في حديث كعب بن عجرة والمتفق عليه. وفيه:"أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين". وأما الأثر فيما روى في بعض طرق حديث الكفارة أن الفرق كان فيه خمسة عشر صاعا.
أدلة الرأي الأول:
1 -ورد في بعض روايات حديث الأعرابي عن هشام بن سعد بن ابن شهاب عن ابن مسلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: فأوتي بعرق قدر خمسة عشر صاعا [5] دل الحديث من حيث الظاهر على أن طعام الكفارة مد لكل مسكين لا يجوز أقل منه، ولا يجب أكثر منه، لأن خمسة عشر صاعا إذا قسمت بين ستين يخص كل واحد منهم مد [6] .
2 -روى أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمظاهر:"أطعم هذا، فإن مدى شعير مكاني مد بر" [7] .
3 -ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف، فكذا هذا. ولأن الأجزاء بمد منه قول ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وزيد، ولا مخالف لهم من الصحابة [8] .
أدلة الأحناف:
1 -حديث سلمة بن صخر، وأوس بن الصامت -رضي الله عنهما- فقد ذكر في الحديثين إطعام ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع من بر [9] .
2 -ولأن المعتبر حاجة اليوم لكل مسكين، فيكون نظير صداقة الفطر [10] .
تعقيب وترجيح:
بعد أن ذكر ابن حجر الأحاديث الكثيرة التي وردت في قدر الإطعام في الكفارة قال [11] : (ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد"فأمر له ببعضه"وهذا بجمع الروايات، فمن قال إنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، ويبين ذلك حديث على عن الدار قضني"تطعم ستين مسكينا لكل مسكين مد"وفيه"فأتي بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين مسكينا"وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدار قطني في حديث أبي هريرة، وفيه رد على الكوفيين في قولهم أن واجبه من القمح ثلاثون صاعا ومن غيره ستون صاعا، ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعا) .
وظاهر دليل الرأي الأول يدل على أن قدر خمسة عشر صاعا كاف للكفارة عن شخص واحد لكل مسكين مد، وقد جعله الشافعي أصلا لمذهب في أكثر المواضع التي يجب فيها الإطعام، إلا أنه قد روى في خبر سلمة بن صخر وأوس بن الصامت في كفارة الظاهر أنه قال فغي أحدهما"أطعم ستين مسكينا وسقا، والوسق ستون صاعا"وفي الخبر الآخر:"أنه أتى بعرق"، وفسره محمد بن اسحق بن يسار في روايته"ثلاثين صاعا"، وإسناد الحديثين لا بأس به، وإن كان حديث أبي هريرة أشهر رجالا [12] .
(1) انظر: المغني 3/ 129.
(2) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 2/ 43، المجموع 6/ 345، المغني 3/ 129، المحلى بالآثار 4/ 333.
(3) انظر: المبسوط للسرخسي 7/ 16 دار المعرفة- بيروت.
(4) انظر: بداية المجتهد 1/ 305.
(5) انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري 3/ 273، دار المعرفة، بيروت.
(6) انظر: مواهب الجليل وأدلته 2/ 43.
(7) انظر: الفتح الرباني 10/ 98.
(8) انظر: المغني 3/ 130.
(9) انظر: نصب الراية 3/ 247 والحديث غريب كما قال الزيلعي.
(10) أنظر: المبسوط 7/ 16.
(11) أنظر: فتح الباري 4/ 169.
(12) انظر: معالم السنن للخطابي المطبوع مع مختصر سنن أبي داود 3/ 275.