من عليه كفارة وعدم الرقبة انتقل إلى صيام شهرين متتابعين، ولا نعلم خلافا في دخول الصيام في كفارة الوطء إلا شذوذ لا يعرج عليه لمخالفته السنة الثابتة [1] .
ويشترط التتابع في صيام كفارة رمضان عند الجمهور من الفقهاء، ويؤيد هذا الأحاديث التي سبقت في الموضوع وهي مقيدة بالتتابع [2] .
وذهب ابن أبي ليلى إلى جواز تفريقه مستدلا بحديث أبي هريرة والذي جاء فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا. رواه مسلم، مالك، وأبي داود، والبيهقي [3] فلم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتتابع في هذا، فدل على عدم اشتراطه. ورد الجمهور هذا بأن المطلق يحمل على المقيد، فيشترط التتابع، وهو الراجح.
واشترط الجمهور أن لا يكون في الشهرين شهر رمضان، وأن لا يكون فيهما أيام نهى عن صومها كيومي الفطر والأضحى وأيام التشريق.
فإن أفطر فيهما يوما لمرض أو لغيره، فعليه استقبال الصيام لفوات صفة التتابع بفطره، والواجب المقيد بوصف شرعا لا يتأدي بدونه [4] ، فإن لم يشرع في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالعتق، ولم يسأله عما كان يقدر عليه حال المواقعة وهي حالة الوجوب. ولأنه وجد المبدل قبل التلبيس بالبدل، فلزمه كما لو كان واجدا له حال الوجوب [5] .
وإن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق ثم قدر عليه، ففي المسألة رأيان:
الرأي الأول:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق ثم قدر عليه، لم يلزمه الخروج إليه إلا أن يشاء العتق فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى [6] .
ودليل هذا:
أنه شرع في الكفارة الواجبة عليه فأجزأته، كما لو استمر العجز إلى فراغها [7] .
الرأي الثاني:
قال الأحناف [8] : أن أيسر قبل أن يفرغ من الصوم أتنقض صيامه، وعليه العتق لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، فإن المقصود إسقاط الكفارة عنه، وذلك لا يحصل قبل تمام الشهرين وهو كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة، والطارئ من اليسار قبل حصول المقصود كالمقترن بحالة الشروع في الصوم.
ومعنى قولهم (أتنقض صومه) في حكم جوازه عن الكفارة، فأما أصل الصوم باق فيستحب إتمامه نقلا، لأن اليسار لا يمنع ابتداء الصوم إنما يمنع التكفير [9] .
مناقشة وجهة نظر الأحناف:
ناقش المخالفون للأحناف وجهة نظرهم فقالوا [10] : العتق يفارق التيمم لوجهين: أحدهما: أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستره، فإذا وجد الماء ظهر حكمة بخلاف الصوم، فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية.
والثاني: أن الصيام تطول مدته فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق بخلاف الوضوء والتيمم. وورد في هامش المغني تعليقا على ما سبق [11] . أن الوجه الأول تحكم، لأن الحدث أمر حكمي يرتفع بالوضوء ويبدله بشرطه على السواء وليس شيئا موجودا يستر ويظهر، والصواب في خصال الكفارة أن كلا منهما أصل لا بدل إلا أنها مرتبة، فإذا شرع في الثاني أو الثالث لعجزة عما قبله صار هو فرضه بالذات، ولا يكلف إبطال ما شرع فيه والله يقول (ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) ، والفرق الصحيح بين خصال الكفارة وبين الوضوء والتيمم أن الأولى يحصل لكل من خصالها تربية النفس وتطهيرها المعنوي من لوث ارتكاب الشهوة الكبرى، وأما التيمم فلا يحصل له ما يحصل بالوضوء من الطهارة الحسية المنصوصة في قوله تعالى: (ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) فهو بدل عن الوضوء من الجهة التعبدية فيه فقط على أن بطلان صلاة المتيمم برؤية الماء في نظر.
الترجيح:
بعد العرض السبق للرأيين وأدلتهما وما ورد على أدلة الأحناف من مناقشات يبدو لي أن رأي الشافعية ومن معهم هو الأولى بالقبول لقوة أدلته، ولأن من كان عاجز عن الرقبة يصبح الصيام فرضه لقوله تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) وقد أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة أن فرضه الصوم لهذه الآية [12] ، ولكن ما سبق أرجح رأي القائلين بأن من شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق، ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه -والله أعلم بالصواب-.
المطلب الرابع
الإطعام في كفارة الصيام
ويشتمل هذا المطلب على الفرعين الآتيين:
الفرع الأول
آراء الفقهاء في مقدار الإطعام
(1) انظر: المغني 3/ 128.
(2) انظر: الفتح الرباني 10/ 98.
(3) انظر: المرجع السابق 10/ 94.
(4) انظر: المبسوط 7/ 12.
(5) انظر: المغني 3/ 128.
(6) انظر: مغني المحتاج 1/ 444، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، المغني 3/ 128.
(7) انظر: المغني 3/ 129.
(8) انظر: المبسوط 7/ 12.
(9) انظر: المرجع السابق.
(10) انظر: المغني 3/ 129.
(11) انظر: هامش المرجع السابق.
(12) انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل 3/ 188.