ويتفرع على ما سبق: أن قوله -صلى الله عليه وسلم-"اطعم ستين مسكينا"يدل على وجوب إطعام هذا العدد، لأنه أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين، فلا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم عشرين مسكينا ثلاثة أيام مثلا، ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الاجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينا واحدا في ستين يوما كفى.
وأيضا في ذكر الإطعام ما يدل على وجود طاعمين، فيخرج الطفل الذي لم يطعم كقول الحنفية. ونظر الشافعي إلى النوع فقال: يسلم لوليه. وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب ما زاد عليها، ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك [1] .
المطلب الخامس
الخلاف بين العلماء في سقوط الكفارة بالإعسار
اختلف الفقهاء في سقوط الكفارة بالإعسار على قولين:
الأول: يرى جمهور الفقهاء: أن الكفارة لا تسقط بالإعسار، والذي أذن له في التصرف فيه ليس على سبيل الكفارة [2] ، قال ابن حزم [3] : من كان عاجزا عن ذلك كله ففرضه الإطعام، وهو باق عليه، فإن وجد طعاما وهو إليه محتاج أكله هو وأهله وبقى الإطعام دينا عليه.
وقال الشافعية [4] : لو عجز عن الجميع أي الكفارة استقرت في ذمته على الأظهر، لأن حقوق الله تعالى المالية إذا عجز عنها العبد وقت وجوبها فإن كانت لا بسبب منه كزكاة الفطر لم تستقر، وإن كانت بسبب منه استقرت في ذمته سواء أكانت على وجه البدل كجزاء الصيد أم لا ككفارة الظهار والجماع أو اليمين وغيرهم.
وليس في قوله -صلى الله عليه وسلم-"أطعمه أهلك"، وفي رواية أخرى"أطعمه عيالك"ما يدل على سقوطها عن المعسر، بل فيه ما يدل على استقرارها عليه.
وقيل المراد بالأهل المذكورين: من لا تلزمه نفقتهم، وبه قال بعض الشافعية.
ورد هذا: بما وقع من التصريح في رواية بالعيال، وفي أخرى من الأذن بالأكل [5] .
والثاني: ذهب الحنابلة في الرواية الراجحة، والشافعية في القول الثاني، وعيسى بن دينار من المالكية إلى أن الكفارة بسقط بالإعسار [6] .
واستدلوا على هذا بما يأتي:
1 -الخبر السابق دل على سقوط الكفارة الإعسار لما تقرر من أنها لا تصرف في النفس والعيال، ولم يبين له -صلى الله عليه وسلم- استقرارها في ذمته إلى حين يساره [7] .
2 -وقد ورد ما يدل على إسقاط الكفارة أو على أجزائها عنه باتفاقه إياها على عياله وهو قوله في حديث على"وكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك" [8] وهذا حديث ضعيف لا يحتج به [9] وقولهم: أنه أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعجزه فلم يسقطها. قلنا قد أسقطها عنه بعد ذلك وهذا آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يصح القياس على سائر الكفارات. لأنه أطرف للنص بالقياس والنص أولى، والاعتبار بالعجز في حالة الوجوب، وهي حالة الوطء [10] .
والحق أنه لما قال له -صلى الله عليه وسلم- خذ هذا فتصدق به لم يقبضه بل اعتذر بأنه أحوج إليه من غيره فإذن له حينئذ في أكله، فلو كان قبضه لملكه ملكا مشروطا بصفة وهو إخراجه عنه في كفارته فينبني على الخلاف المشهور في التمليك المقيد بشرط، لكنه لما لم يقبضه لم يملكه، فلما أذن له -صلى الله عليه وسلم- في إطعامه لأهله وأكله منه كان تمليكا مطلقا بالنسبة إليه وإلى أهله وأخذهم إياه بصفة الفقر المشروحة، وقد تقدم أنه كان من مال الصدقة، وتصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه تصرف الإمام في إخراج مال الصدقة، واحتمل أنه كان تمليكا بالشرط الأول ومن ثم نشأ الإشكال [11] .
الترجيح:
بعد العرض السابق يتبين لي أن الرأي الأول هو الراجح، لأن ظاهر الحديث الصحيح الوارد في الكفارة ليس فيه إسقاط ولا أكل المرء من كفارة نفسه، ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة المرء من كفارة نفسه، ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفارة نفسه [12] . ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر المجامع بالإطعام فأخبره أنه لا يقدر عليه، فأتاه بالتمر فأعطاه إياه وأمره بأن يطعمه عن كفارته، فصح أن الإطعام باق عليه وأن كان لا يقدر عليه، وأمره عليه السلام بأكله إذ أخبره أنه محتاج إلى أكله، ولم يسقط عنه ما قد ألزمه إياه من الإطعام، ولا يجوز سقوط ما افترضه عليه السلام إلا بإخبار منه عليه السلام بأنه قد أسقطه [13] لكل ما سبق رجحت الرأي الأول -والله أعلم بالصواب-.
(1) انظر: الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام احمد للأستاذ أحمد عبد الرحمن البنا 10/ 90، دار الشهاب بالقاهرة، فتح الباري 4/ 166.
(2) انظر: فتح الباري 4/ 171.
(3) انظر: المحلى بالآثار 4/ 335.
(4) انظر: معنى المحتاج 1/ 445.
(5) انظر: الفتح الرباني 10/ 99.
(6) انظر: المرجع السابق، والمغني 3/ 132.
(7) انظر: المرجع السابق.
(8) انظر: فتح الباري 4/ 172.
(9) انظر: سبل السلام 2/ 334.
(10) انظر: المغني 3/ 132.
(11) انظر: فتح الباري 4/ 172.
(12) انظر: فتح الباري 4/ 172.
(13) انظر: المحلى بالآثار 4/ 335.