مما يجعل الروايات المندرجة تحت هذا العنوان من أمثل ما جاءت الرواية به عن كعب ، وهو اللائق به ، فهي في حقيقة الأمر بُشرى يزفّها للفاروق عمر - رضي الله عنه - ، في وقت قد أُثر عن عمر كما هو معروف طلبه للشهادة [1] وهو في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولم يزد عند سماعه لكعب غير استبعاد هذه الشهادة ؛ لأن بالمقياس البشري الواقعي من أين تأتيه الشهادة وهو في جزيرة العرب ؛ بل وفي مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ و مع ذلك كان يتمنى في قرارة نفسه الشهادة وإن كان في جزيرة العرب لأن ذلك ليس على الله ببعيد إذا قضى له بتلك الشهادة ، وقد قضى له بها ، فكان ما تمنَّى - رضي الله عنه - .
ووجدنا ما يعضّد ذلك من شدة يقين عمر في ذلك ؛ ففي ( تاريخ دمشق ) [2] قوله: إنَّ الذي أخرجني من مكة إلى هجرة المدينة لقادر أن يسوق إليَّ الشهادة .
ويوافق ما قاله كعب هنا ما جاء في صحيح الإمام البخاري [3] من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أُحدًا وأبا بكر وعمر وعثمان ، فَرَجَفَ بهم ، فقال: ( اثبُت أُحد ، فإنما عليك نبي وصدّيق ، وشهيدان ) .
وثمة جوانب أخرى في قضية استشهاد عمر والإنذار به قبل وقوعه ، منها:
(1) كقوله: ( اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك ) رواه البخاري في ( صحيحه ) في كتاب فضائل المدينة ؛ انظر ( الفتح ) ( 4/100) ، زاد في آخره كلًا من: ابن سعد في ( الطبقات ) (3/331) بإسناد حسن ، وابن شبة في ( تاريخ المدينة ) ( 3/872 ) بإسناد صحيح أنه قيل له: وأنَّى يكون ذلك ؟ قال: يأتي به الله إذا شاء . وانظر ( محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ) لابن المبرد الحنبلي (3/791 مع الحواشي) .
(3) الفتح ) (7/22) .