-وروى البخاري في ( صحيحه ) [1] تعليقًا بصيغة الجزم ، ووصله الحافظ ابن حجر في ( تغليق التعليق ) [2] أنَّ معاوية كان يحدّث رهطًا من قريش بالمدينة ، وذكر كعب الأحبار ، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا - مع ذلك - لَنَبلو عليه الكذب .
والمعروف عند أهل العلم أنَّ كعبًا يحدّث عن أمور لم يحضرها ، وعن أنبياء بينه وبينهم أحقابٌ طويلة ، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة ، بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود ، وقد أخبر الله بتبديلهم وتحريفهم ، فلا يحل لمسلم بعد ذلك التصديق ، وبالمقابل ولا التكذيب إلا بدليل .
وإذا كانت مراسيل ثقات التابعين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ قد توَقَّف أهل العلم في قبولها ؛ فمنهم من يردّها مطلقًا ، ومنهم من يقبلها بشروط ، ومنهم من يميز بين من عادته أن لا يرسل إلا عن ثقة .
وكذلك إذا كان صحيح البخاري الذي كتابه أصح كتاب على وجه الأرض بعد القرآن الكريم ، فيه من المراسيل والمعلقات ما جعل أهل العلم يتكلمون حولها ، حتى توصلوا إلى أنَّ ما يجزم به البخاري ، وما يوقفه مما يحتج به ، فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء ، والأخبار ؟
إن ما ذكرته في هذه الفقرة هو خلاصة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الماتع ( اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ) [3] .
(1) تحت كتاب الاعتصام ، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ) ، انظر ( فتح الباري ) لابن حجر (13/333) ، طبعة محب الدين الخطيب / السلفية .
(2) 5/328) ، تحقيق سعيد القزقي ، طبعة المكتب الإسلامي ، ط1 ، 1405هـ .
(3) 2/350-351) ، تحقيق د . ناصر العقل ، دار العاصمة ، ط6 ، 1419 هـ .