وتفسير هذه الآية عندنا كما ذكره ابن كثير وغيره: ذكره السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وقال قتادة: لما ذكر اللّه تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: {إن اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها} أي أن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئًا مما قلَّ أو كَثُر، وإن اللّه حين ذكر في كتابه الذباب العنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد اللّه من ذكر هذا؟ فأنزل اللّه: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} .
ومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي أي لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أيَ مثلٍ كان بأي شيء كان صغيرا كان أو كبيرًا و ما ههنا للتقليل، وتكون بعوضة منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربنَّ ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء أو تكون ما نكرة موصوفة ببعوضة، ويجوز أن تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: (إن اللّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها) وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء.
وقوله تعالى: {فما فوقها} فيه قولان: أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح فيقول السامع نعم وهو فوق ذلك - يعني فيما وصفت - وهذا قول أكثر المحققين، وفي الحديث: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) ،
أقول: سأذكر لكم تمام الحديث عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها فقال أترون هذه هينة على صاحبها فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة أبدا) - رواه ابن ماجه وصححه الألباني.