وكذا قل عن الموت ، فعدم المعرفة بمكانه ، هو عدم معرفة بزمانه ضرورةً ، لأن ما عُرِف مكانُه ، يُتوقع زمانه وأوانه ساعة الحلول في ذلك المكان ، أو الموضع ، ويأمن منه عند البعد عن ذلك الموضع .
أما عن الاكتساب فسوف تتعطل الحياة لو علم كسب كل إمريء في غد، فمن علم أنه لا يرزق فيما يطمع به غدا ما خرج لعمله ، ومن كان ينتظر منه عملا من الناس لا يجده ، ولأجل هذا سيخيِّم الإرباك على تعامل الناس ، وسيصعب تعيين زمان ارتزاق فلان وموافقته لزمن ارتزاق الأخر ذي المصلحة معه ، وهذا التوافق سيقل قلةً ملحوظة ، وبالتالي سيكون انتظام مرفق ، وسير عمل ، هو نوع خيال ، أو ضرب من المحال .
إذن فتغييب الرزق عن علم عموم الناس هو عين الحكمة ، ليطمع كل منهم أن يكون غده أحسن من يومه ، فتتواصل الحياة وتُثمر.
إنَّ تغييب كثير من الأمور تتحقق الحكمة بتغييبها، كأوائل الشهور القمرية ، وليلة القدر ، والأحكام غير القطعية ـ ولعلنا نوفَّق في الكتابة في مثل هذا إن شاء الله - جل جلاله - .
المطلب الثالث
في
الحكمة الثالثة
تعليمهم أنَّ إخباره عما غاب ، مما غبر ، أو مما هو منتظر ، توقيف من الله - عز وجل - ، وما لا يُعلِّمه الله - جل جلاله - أحدًا من عباده على وجه اليقين ، فلا يُصدَّق مدَّعيه ، فالذي يدعيه العرَّافون والمنجِّمون لا يُوازى بمعرفة الرسل عليهم السلام اليقينية ، فإنَّ [ الأنبياء يعلمون كثيرًا من الغيب بتعريف الله تعالى إياهم ، والمراد إبطال كون الكهنة والمنجمين ومن يستقي بالأنواء ، وقد يَعرِف بطول التجارب أشياء ، من ذكورة الحمل، أو أنوثته ، إلى غير ذلك ،..,.وقد تتخلف التجربة ، وتنكسر العادة ، ويبقى العلم لله وحده ] . [1]
(1) 48) القرطبي-14/83