الصفحة 9 من 87

\"اعلم أن قول من قال: (إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يعرفن} ، وقد دل قوله: {أن يعرفن} على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن لأن التي تستر وجهها لا تعرف) .. باطل وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًا، لأن قوله: {يدنين عليهن من جلابيبهن} صريح في منع ذلك، وإيضاحه: أن الإشارة في قوله: {ذلك أدنى أن يعرفن} راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن لا يمكن بأي حال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه .. وقوله: في الآية الكريمة: {لأزواجك} دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية ليست بكشف الوجوه، لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين .. وما سبق يعني أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة، الأول: سياق الآية، الثاني: قوله: {لأزواجك} ، الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمَن بعدهم، فسروا الآية وحملوها على تغطية الوجه\".

= ومما يُقضى منه العجب: أن يَدِّعي من يجهلُ الحد الأدنى من تدبر ما جاء في آي الذكر الحكيم فضلًا عن الحد الأدنى في استنباط أحكامه، أن الأمر في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهم من جلابيبهن) خاص بزوجات النبي r .. لأن هذا يَرِد عليه، بطلان دعوى الخصوصية في الانتقاب بعبارة: (ونساء المؤمنين) ، حيث أشرَكت في الخطاب سائر المؤمنات باللفظ الصريح مع زوجات وبنات النبي الطاهرات عليهن الرضوان، وأمر جميعهن بإدناء الجلباب .. فضلًا عن أن أحكام القرآن لا تتوقف على أسباب نزول الآي، فهي تخاطب الناس في هذا الزمان كما كانت تخاطب الرسول وأصحابه، وأن العبرة - فيما لا يوجد له دليل مخصص - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإلا فهل يستطيع عاقل أن يقول أن النهي عن الخضوع بالقول وتبرج الجاهلية والأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في قول الله تعالى مثلًا: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله .. الأحزاب/ 32، 33) وقد جاء ذكرها قبل آية الإدناء مباشرة، خاص بزوجات النبي وأن غيرهن من نساء المؤمنين غير مطالبات بذلك؟، وإذا كان الجواب بـ (لا) ، فما الذي يكون عليه الحال في إدناء الجلابيب على الوجوه - على ما سبق من إبطال دعوى الخصوصية وعلى ما أفاده قول الله تعالى: (ونساء المؤمنين) - مع فساد الزمان ورداءة الأخلاق وظهور الفتن كقطع الليل المظلم، سوى تغطية النساء لوجوههن؟.

وفي تأكيد ما تقرر من مفاد الآية وعمومها، يقول الشيخ المودودي - رحمه الله - في كتابه (الحجاب) ص302، 303 بعد أن نقل جملة من أقوال المفسرين: \"ويتضح من هذه الأقوال جميعًا أنه من لدن عصر الصحابة .. حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد هو ما فهمناه من كلماتها، وإذا رجعنا بعد ذلك إلى الأحاديث النبوية والآثار، علمنا منها أيضًا أن النساء قد شرعن يلبسن النقاب على العموم بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي، وكن لا يخرجن سافرات، وكل من تأمل كلمات الآية وما فسرها به أهل التفسير في جميع الأزمان بالاتفاق وما تعامل عليه الناس على عهد النبي r، لم ير في الأمر مجالًا للجحود بأن المرأة قد أمرها الشرع الإسلامي بستر وجهها عن الأجانب، وأنه مازال العمل جاريًا عليه منذ عهد النبي r إلى هذا اليوم\"ا. هـ باختصار.

أما دعوى أن القول بالنقاب لم يرد ولم ينطق به كتاب الله، وعليه فليس ثمة وجوب ولا إلزام لنساء المؤمنين به لكونه لا يعدو أن يكون مجرد عادة .. فينقضها - من غير ما سبق - أن هناك أقوالًا وردت في تحديد معنى الجلباب الوارد في قوله تعالى: (جلابيبهن) ، تذهب إلى أنه يعني في لغة العرب التي خاطبنا بها النبي r هو: ما كان من القرن إلى القرن أو ما غطى جميع الجسد لا بعضه، ذكره ابن حزم في المحلى 3/ 217 وصححه القرطبي في تفسيره 14/ 243 .. والحق - على ما تقتضيه الأمانة العلمية - أنها لا تفيد ذلك إلا بمعونة السياق، وهي هنا قوله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن) ، واتفاق عبارات المفسرين على اختلاف ألفاظها، إنما راعت ذلك .. يقول الآلوسي: \"الإدناء: التقريب، يقال (أدناني) أي قربني، وعُدي بـ (على) ليتضمن معنى الإرخاء أو السدل من فوق، ولعل نكتة التضمين: الإشارة إلى أن المطلوب تسترٌ يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين\".

فالإدناء هنا وعلى ما يقتضيه السياق، شيء زائد على التجلبب، دل عليه فعل عبيدة السلماني وجميع الصحابيات وأقوال سائر علماء وأئمة المسلمين، ولو كان الأمر على غير ما ذكر - أعني بمعنى اللف ومجرد ستر الرأس - لقال: (يدنين إليهن) ولما اتفق مع قوله: (جلابيبهن) ولا مع أفعال الصحابة وأقوالهم، ولكان كلامه تعالى عبثًا في حق أمهات المؤمنين اللواتي أمرن - من دون ريب - بتغطية وجوههن، والأمر - على ما هو متضح - لهن ولسائر نساء المؤمنين.

يضاف لما ذُكر، أن ما استُدل به ومال إليه القائلون بعدم وجوب النقاب، من نحو قول مجاهد في معنى (يدنين) : (يتجلببن) ، وقول عكرمة: (تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها) ، وقول سعيد بن جبير: (يسدلن عليهن) ، وقول ابن قتيبة: (يلبسن الأردية) .. إلى غير ذلك، ليس صريحًا في نفي ستر الوجه بل ولا ينافيه.

وما ذلك إلا لأن الجلباب كان له طريقه المعروف في نساء المؤمنين، وهو لبسه مع تغطية البدن سواء كان ذلك من الأمام فيستر الوجه أم من الخلف فيكشفه، فلما كان مراد الأمر بالإدناء: السدل والإرخاء من فوق على نحوٍ معين، تعين أن تكون على النحو الذي فسره عبيدة السلماني وغيره من نحو من ذكرنا .. وإلا لأن \"الصحابة والأمَّةَ المسلمة التي التزمت نساؤها بستر الوجوه بعد نزول آيتي النور والأحزاب، وكذلك أكابر الصحابة والتابعين وفطاحل العلم الذين فسروا إدناء الجلباب بستر الوجوه، لا يقدر أحد أن يقول إنهم كانوا يجهلون لغة العرب أو يجهلون أنهم يمتثلون ويفسرون - بأقوالهم وأفعالهم رجالًا ونساء - أمرًا من أوامر الله، وأن الأمر للوجوب\".

كما ينقض الدعوى السالفة الذكر، تغَيُّرُ حال وأوضاع نساء المهاجرين والأنصار وبشكل ينم عن سرعة الامتثال والاستجابة لدى سماعهن الآية ودون ما تردد .. وعدم وضع هذا - بضميمة سائر ما جاء من أقوال متقدمي علماء الأمة ومتأخريهم في معنى الآية - في الاعتبار، ممن ينكرون وجود دليل على فرضية النقاب ولا يرون في آية الإدناء دليلًا عليه وإلزامًا به وبخاصة من أهل العلم، هو في حد ذاته مدعاة للاستغراب ومثار للدهشة، \"فالعجب كل العجب ممن يَدَّعِي من المنتسبين للعلم أنه لم يَرِد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين\".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت