علماء وأئمة سلف الأمة وخلفها .. ما كان ليدع مجالًا لأدنى شك للقول بغير الوجوب، وما كان ينبغي - معه - لمن عنده مثقال ذرة من فهم، إلا أن يقر ويعترف بأنه نص في حتمية ارتداء ما يستر وجه المرأة .. بل وما كان ينبغي أن تكون هناك بعده كلمة لمتكلم!!، ولا أن يتعامى عن الأخذ به من كان لديه مسكة من عقل أو حبة خردل من إرادة للوصول إلى الحق!!، ولا أن يتجاهله إلا من انطمست بصيرته وعميت حجته وكلت مساعيه، وحسابه بعد ذلك على الله.
الدليل الثاني
مفهوم آية الإدناء وقرائن السياق بها .. ووجه دلالة ذلك على فرضية النقاب
وبعد ذكر نقول أهل العلم السالفة الذكر في التنصيص على إفادة آية الإدناء، تغطية وجه المرأة، وهي - على كثرتها - قليل من كثير لمن تقصاها .. يحق لنا التصريح بأن القول بأن آية الإدناء وتحديدًا ما جاء في قوله سبحانه: (يدنين عليهن من جلابيبهن) ، ليست دالة على تحجب النساء عن الرجال ولا صريحة في وجوب النقاب ولا نصًا في ستر الوجه، بزعم أن الآية تعني: \"أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر وتلبس الجلباب - الذي لا يغطي الوجه - على الخمار لأنه أستر لها\"، أو تعني أن الأمر بالجلباب ليس لستر الوجه وإنما \"لستر زينة المرأة عن الأجانب\".. وكذا الادعاء بأن الآية خاصة بزوجات النبي الطاهرات، وما عداهن من سائر نساء المؤمنين لم يرد بحقهن دليل يعمهن من كتاب أو سنة ولا آية ولا حديث، فيكون بالنسبة لهن - والحال كذلك - مجرد عادة أو فضيلة ولا يزيد الأمر فيه على ذلك .. أو بأن قوله تعالى في علة الإدناء: (ذلك أدني أن يعرفن) ليس هو الآخر نصًا في تغطية وجه المرأة، باعتبار أنهن لا يُعرفن أيضًا بالجلباب الذي لا يغطيه، ولانتفاء علتها بانتفاء معلولها وهو وجود الإماء .. وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على فرضية النقاب .. لا تعدو أن تكون مجرد مزاعم خرج أصحابها عما أجمع عليه أهل العلم الذين سبق ذكر ما تيسر من أقوالهم، وهذه المزاعم:
جوابها: أنها جميعًا تعد طعنًا في علماء الأمة واتهامًا لأفهامهم وخروجًا عما أجمعوا عليه سلفًا وخلفًا .. كما أن فيه تعطيلًا للقرآن وإبطالًا للسنة التي أقرت ما تضمنه القرآن وما فعله الصحابة والصحابيات بشأن فهمهم وتنفيذهن لما جاء في التنزيل بحق آيات الحجاب .. وفيه أيضًا وأخيرًا إغفال عن قرائن السياق التي كشفت عن مراد الله فيها .. ذلك أن سياق الآية وصريح قوله: (يدنين عليهن من جلابيبهن) يمنع كل ما قيل وأثير تمامًا.
وبيان هذا: أن الإشارة في (ذلك أدنى أن يعرفن) ليست راجعة إلى كشف الوجوه حتى تسلم هذه الشُّبه أو يصح أن تثار من الأساس، بل راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن .. وإدناؤهن على هذا النحو المذكور في الآية لا يمكن أن يكون بسفورهن وكشفهن عن وجوههن، وأنى يكون بذلك والوجه عنوان المعرفة، وعليه فالآية نص على وجوب ستر الوجه، يقول صاحب التحرير والتنوير22/ 107 مجلد 11:
\"الإشارة بـ (ذلك) إلى الإدناء المفهوم من (يدنين) ، أي: ذلك اللباس أقرب إلى أن يعرف أنهن حرائر بشعار الحرائر، فيتجنب الرجال إيذاءهن فيسلموا وتسلمن، وكان عمر بن الخطاب مدة خلافته يمنع الإماء من التقنع كي لا يلتبسن بالحرائر ويضرب من تتقنع منهن بالدرة\"هذا أمر .. يضاف إليه: أن قوله تعالى مخاطبًا نبيه r: ( لأزواجك) نص ودليل ثان على أن المعرفة المذكورة في الآية، ليست بتغطية الرأس دون الوجه، لأن احتجاب زوجاته r بستر وجوههن لا خلاف فيه بين المسلمين، وعليه فيكون الأمر لنساء المؤمنين بستر وجوههن المقترن والمعطوف على ما قبله، إنما هو على الوجوب كذلك.
يضاف أيضًا لما سبق، أن الإدناء مراده في الأصل: التقريب، ويعني في الآية: تقريب بعض ما فضل من الجلباب إلى الوجه .. وساعد على اعتبار هذا الفضول من الجلباب، حرف (مِن) التي للتبعيض، والذي دل على أن ثمة شيئًا زائدًا يأتي في أعلى الجلباب يُلفع به الرأس أو الوجه، وهذا لابد من اعتباره .. وكان يمكن أن يَسلم للمدعين أن الأمر من الله جاء بارتداء الجلباب وفقط دون ما شيء آخر، لو لم يأت حرف (من) .. كما كان من الممكن أيضًا أن يُحمل الأمر بإدناء الجلباب على مجرد تقريبِ ما فَضُلَ منه للوجه، فيكون هذا الوضع هو المأمور به في الآية وهو ليس بمستلزم لأن يعم الوجه، لو لم يقل سبحانه: (عليهن) وقال مثلًا: (إليهن) ، لكن تعلق حرف الجر (على) بالفعل (يدنين) ، وتعدي الأخير في الآية بـ (عليهن) دون (إليهن) ، لا دلالة له سوى أن يتضمن الفعل (يدنين) ، معنى (يرخين) إذ هو الذي يصح تعدِّيه بـ (عليهن) .. وبناء على ما سبق ذكره فقد تعين أن يكون المعنى في الآية: (أأمر يا محمد زوجاتك وبناتك وجميع نساء المؤمنين دون ما استثناء لأن يرخين ما فَضُل من جلابيبهن وينزلنها من فوق رءوسهن) ، وهذا لا يتأتى - بالطبع وبقرينة قوله (لأزواجك) - إلا بتغطية الوجه.
وهذه المعاني وما ترتب عليها، هي التي صال حولها وجال، بعض من ذكرنا نصوصهم من نحو الزمخشري والشهاب والآلوسي الذي نص على أن الإدناء في الآية عُدي بـ (على) لـ \"الإشارة إلى أن المطلوب: تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين\"، وهذا هو المفهوم من الآية حسب ما تقتضيه لغة العرب وعلى ما سبق توضيحه في عبارة الزمخشري، فكيف يحمل معنى الإدناء - مع قرائن السياق في الآية على النحو الذي فصلنا وبضميمة قوله (لأزواجك) وصريح قوله (ونساء المؤمنين) - على غير ستر الوجه .. ثم إن عامة المفسرين من الصحابة والصحابيات - على ما رأينا وسنرى وتلك قرينة خامسة تضاف لما سبق - حملوا الآية على هذا مع بيانهم سبب نزولها، وهو: ألا يطمع فيهن الفساق ومن في قلوبهم مرض، وليتميزن عن نساء الجاهلية والإماء غير العفيفات .. ومجرد تغطية الرأس لا يمنع من المغازلة، بل ويُفوِّت علة نزولها، كما يؤدي إلى الطعن فيما أورده من هم أعلم منا بمعاني ما جاء عن الله ورسوله.
ولقد أوتي الشيخ الألباني من قِبَل هذه الثغرة فأخل بمراد الله تعالى حين أرجع الإشارة إلى وجوههن، على الرغم من عدم وجود ذكر للوجوه في الآية ترجع إليه الإشارة وليس هنا سوى الإدناء، وعلى الرغم من أن الضمير في (يُعرفن) - كما هو مقرر في قواعد النحو - يعود على أقرب مذكور وهو هنا (نساء المؤمنين) ومن عُطفن عليهن، وليس، وليس هنا سوى الإدناء .. قال رحمة الله عليه: \"قوله: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) ، يعني: أن المرأة إذا التحفت بالجلباب عرفت بأنها من العفائف المحصنات الطيبات، فلا يؤذيهن الفساق بما لا يليق من الكلام\"، وحداه ذلك لأن يقول في المقابل: \"بخلاف ما لو خرجت متبذلة غير مستترة، فإن هذا مما يطمع الفساق فيها والتحرش بها، كما مشاهد في كل عصر ومصر\"، كذا مشبهًا الصحابيات بمتبرجات كل عصر ومصر ممن يُطمِعْن الفساق فيهن .. وفي ردِّ ذلك، وفي محصلة ما سبق من جواب، يقول صاحب (أضواء البيان) :