الصفحة 10 من 87

وفي كتابه عن تفسير سورة الأحزاب ص161 وما بعدها، يقول أبو الأعلى المودودي بحق ما استجد من لباس الوجه والرأس وتقرير ما مضى على أساسه: \"والجلباب في اللغة العربية: الملحفة والملاءة واللباس الواسع، والإدناء يعني: التقريب واللف، فإذا أضيف إليه حرف الجر (على) قُصد به الإرخاء والإسدال من فوق\"، قال: \"وبعض المترجمين والمفسرين في هذه الأيام غلبهم الذوق الغربي، فترجموا هذا اللفظ بمعنى الالتفاف، لكي يتلافوا حكم ستر الوجه، لكن الله لو أراد ما ذكره هؤلاء لقال: (يدنين إليهن) ، فإن من يعرف اللغة العربية لا يمكن أن يسلم بأن (يدنين عليهن) تعني: أن يتلففن أنفسهن فحسب، هذا بالإضافة إلى أن قوله: (جلابيبهن) ، يحول أكثر وأكثر دون استخراج هذا المعنى، و (مِن) هنا للتبعيض، يعني يدنين جزءً أو بعضًا من جلابيبهن، ولو التفَّت المرأة بالجلباب، لالتفَّت به كله طبعًا لا ببعضه أو بطرف منه، ومن ثم تعني الآية صراحة أن يتغطى النساء تمامًا ويلففن أنفسهن بجلابيبهن ثم يسدلن عليهن من فوق بعضًا منها أو طرفها، وهو ما يعرف عادة باسم (النقاب) \".

= وما سبق من الشبهات التي يحتج بها المنكرون للأمر بالنقاب في الآية - محل الاستشهاد - من أن علته هي تمييز الحرائر من الإماء وليس ثمة إماء في زماننا فانتفى بذلك المعلول .. جوابه: أن نعم، ثمة تمييز .. والأدلة والنصوص شاهدة على أن هناك اختلافًا يتعلق بتنفيذ هذا الأمر بين الحرائر والإماء، والآثار بذلك عن عمر صحيحة وصريحة .. لكن لا ينبغي أن يغيب عنا \"أنه كان بالمدينة إماء يُعرفن بالسوء، وربما تعرض لهن السفهاء\"، وجلبن - بالطبع - القيل والقال على غيرهن من الحرائر .. وأن علة التمييز والتفريق كانت بحق \"إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذِنَ للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة، وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سَمعَ قولَهم: (إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبطن والظهر والساق) ، فظن أن ما يظهر غالبًا، حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما في الصلاة لا النظر، فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة وعورة النظر، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس، كذلك\".

وفي تقرير هذا المعنى وتأكيده وتوضيحه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فيما يفيد عدم صحة ما زعموه في تحديد عورة الأمة سواء في الصلاة أو غيرها: \"وكذلك الأمة إذا كان يُخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها، وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء، ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بها أمر الحرائر، والسُّنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم يفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يُجعل عليهن احتجاب، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يُستثني بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها، وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يَجُز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عامًا على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة، وجب المنع من ذلك كما لو كانت في غير ذلك\".

ولم يكن ابن تيمية في هذا بدعًا من أهل العلم، فقد قال أبو حيان في تفسير الآية ما نصه: \"والظاهر أن قوله: (ونساء المؤمنين) شمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح\".. فالبيِّن من كلام أبي حيان هنا أنه يذهب إلى ما ذهب إليه جمهرة علماء الأمة من أن التسوية بين الحرائر والإماء وبخاصة اللواتي يخشى منهن الفتنة، إنما هو في وجوب الحجاب الكامل والجلباب الشامل للوجه والكفين، باعتبار أن الفتنة بهن أكثر وبناء على عدم وجود دليل يفرق بينهما في الحكم في حال افتتان الرجال بهن كما هو الحاصل.

على أن فهم علة الحجاب (ذلك أدنى أن يعرفن) ، على أنها لمجرد تمييز الحرائر من نساء المؤمنين عن الإماء المؤمنات وبالتالي فعدم وجود الأخيرات في المجتمع الإسلامي، فيه ما يبرر للحرائر نزعه .. أو الزعم بأن الآية دعوة لأن يتعرض الفساق للإماء .. هو من ضيق العطن ومن أجهل الجهل .. ذلك أن عامة المفسرين من الصحابة فمَن بعدهم، حين فسروا الآية وحملوها على تغطية الوجه وجعلوها فريضة ثابتة لا تتغير بتغير الزمان .. كانوا على علم تام بسبب نزولها، وكانوا يعرفون أن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وأن بالمدينة فساق يتعرضون للإماء ولا يجرئون على التعرض للحرائر خوفًا على أنفسهم من بطش أهلهن، وأن بعض نساء المؤمنين كن يخرجن في زي ليس متميزًا عن زي الإماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنًا منهم أنهن إماء، وأن الله أمر نبيه r أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإماء، وأن إدناءهن عليهن من جلابيبهن يُشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن: أي يعلم أنهن حرائر فلا يؤذين من قِبَل الفساق الذين يتعرضون للإماء.

ولم يخطر على بال مفسر أو ذهن شارح سنة أو صاحب أثر لما نحن بصدده، أن مراد الله بتغطية الحرائر وجوههن دعوة الفساق للإماء، أو تشريع حكم يقضي بجواز تعرض الفساق للإماء، بل إن هذا حرام قطعًا، ولا شك أن المتعرضين لهن يدخلون في عموم قوله تعالى بعد: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قولهم مرض .. الآية) .

وابتناء على ما سبق ذكره آنفًا فإنه لا صحة لما ذهب إليه الشيخ الألباني وكل من حجل بقيده - فيما يعد من غرائب الاستنباطات وعجائب الاستدلالات - من حمل عبارة أبي حيان على أنها ليس على التسوية بينهن في تغطية وجوههن، بل في السفور عن تيك الوجوه .. مغترًا في ذلك ببعض عبارات ذكرها ابن حزم في المحلى، وبعض عبارات أخرى أطلقها المرجفون تردد ما قلناه آنفًا من زوال علة النقاب، ومن أنه كان لضرورة زمنية خاصة، ومستبعدًا تخصيص قوله تعالى: (ونساء المؤمنين) بالحرائر دون الإماء، ومخالفًا به الآثار الواردة عن عمر في ذلك، وكذا ما قاله جمهرة أهل العلم، على ما هو المتضح هنا.

كما لا صحة لما مال إليه الشيخ الألباني - رحمه الله - من وجوب تقييد آية الإدناء، بما ورد في نصوص السنة وبما جاء في آية النور بشأن الأمر بضرب الخمر على الجيوب وقبلها الأمر بغض البصر .. لكون أدلة السنة بزعمه، دالة \"على أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تفسير الآية - آية الإدناء - على ضوئها وتقييدها بها\".. ولما \"تبين من آية النور: أن الوجه - برأيه - لا يجب ستره، فوجب تقييد الإدناء بما عدا الوجه، توفيقًا بين الآيتين\"ا. هـ، ولكون ذلك - كذا يقول - من تفسير القرآن بالقرآن.

وإنما قلنا إنه لا صحة لما مال إليه، لما ذكرنا من أن آية الإدناء نص على وجوب ستر وجه المرأة .. ولما سنذكر من أن أدلة السنة - باستثناء ما كان منها قبل آي فرض الحجاب - وكذا ما جاء في آية النور من الأمر بضرب الخمر وبغض البصر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت