دال على وجوب ستر وجهها، ومن أن هذا هو الذي يقتضيه ويتحقق من خلاله تفسير القرآن بالقرآن .. وأيضًا لأن ما ذكره الشيخ الألباني جاء مخالفًا لما فعلته سائر الصحابيات اللواتي فهمن الأمر - بالطبع - على وجهه الصحيح، ومخالفًا كذلك كل ما ذكره أهل العلم من السلف والخلف - وقد سقنا منه طرفًا لا بأس به - في تفسيرهم لآية الإدناء، ونسوق بمشيئة الله المزيد منه عند التعرض لأقوالهم في كافة ما سنورد من أدلة.
وما تقرر هنا من تمييز حدود العورة في الصلاة وخارجها لكل من الحرائر والإماء، و\"من احتجاب الحسان من الإماء وبروز غير الحسان، وأكده ونص عليه الإمام أحمد، فنقل ابن منصور عنه أنه قال: (لا تنتقب الأمة) ، ونقل ابن منصور عنه أيضًا وأبو حامد الخَفَّاف أنه قال: (تنتقب الجميلة) \".. وما تقرر كذلك من بطلان تصور أن يكون زماننا وحرائرنا أكثر طهرًا وعفافًا من أيام نبينا وسلفنا، وأنه لأجل ذلك ولأجل أنه لا يوجد في زماننا إماء يصبح حكم النقاب لاغيًا والأمر به منسوخًا والآي التي نزلت بشأنه غير صالحة لزماننا إلى غير ذلك مما يرده العقل والنقل .. مُسَلِمٌ ومٌؤد لا محالة لبطلان ما احتج به المنكرون للنقاب، ولبقاء الحكم الشرعي ساريًا سواء وجد إماء فأخذن حكم ما ذكرنا، أم لم يوجد.
ثم من الذي قال أن علة التمييز بين الحرائر والإماء هي العلة الوحيدة في الأمر بالإدناء، وهناك جملة من أهل التفسير ذكر من غير هذه العلة، علة الصيانة وعدم التبرج الذي كان يقع لنساء الجاهلية؟، ونذكر من هؤلاء ما ذكره الحسن البصري في تفسيره المسمى بـ (النكت والعيون) قال في صفحة 424 ما نصه: \"قوله: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) ، فيه وجهان: أحدهما: ليعرفن من الإماء بالحرية، الثاني: يعرفن من المتبرجات بالصيانة\".
وفي تطبيق ذلك على واقع المسلمين المعاصر وبحق بنات عصرنا، يقول فضيلة شيخ الأزهر مصطفى المراغي إبان شرحه لآية الإدناء 22/ 38: \"ثم علل - سبحانه - ذلك بقوله: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) ، أي: ذلك التستر أقرب لمعرفتهن بالعفة فلا يُتَعَرضُ لهن ولا يَلْقَيْنَ مكروهًا من أهل الريبة احترامًا لهن منهم، فإن المتبرجة مطموع فيها منظور إليها نظرة سخرية واستهزاء كما هو مشاهد في كل عصر ومصر، ولاسيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه الخلاعة وكثر الفسق والفجور، (وكان الله غفورًا رحيمًا) ، أي: وربك غفار لمن عسى أن يكون قد صدر من الإخلال بالستر، كثير الرحمة لمن امتثل أمره معهن فيثيبه عظيم الثواب ويجزيه الجزاء الأوفى\"أ. هـ .. وكان - رحمه الله - قد ذكر في آية: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) 18/ 99 ما نصه: \"كان النساء يغطين رءوسهن بالخمر يسدلنها من وراء الظهر فتبدو نحورهن وبعض صدورهن كعادة الجاهلية، فنهين عن ذلك\".. ثم ذكر - تغمده الله بواسع رحمته - أثر عائشة الذي فيه: \"رحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: (ليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها\".. وسيأتي بالدليل التالي كلام شراح الحديث أن مرادها بـ (اختمرن بها) : يعني: غطين وجوههن.
الدليل الثالث
فعل نساء الأنصار لدى سماعهن الآية وإقرار النبي لهن
هذا، ومن أدلة فرضية النقاب ما رواه أبو داود وعبد الرزاق من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية (يدنين عليهن من جلابيبهن .. الأحزاب/ 59) ، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها .. وفى رواية أبي داود وابن مردويه من طريق عائشة: (شققن مروطهن فاعتجرن بها فصَليْن خلف رسول الله كأنما على رءوسهن الغربان) ، ولا يتأتى تشبيههن بالغربان - بالطبع وهذا هو وجه دلالة الخبر على فرضية النقاب - إلا مع سترهن وجوههن بفضول أرديتهن بحيث لا يُرى منهن شيء.
ولنا أن نتصور تفاصيل ما جرى لنتأمل صدق وقوة إيمان الفضليات من النساء الأُوَل، وذلك فيما رواه ابن أبي حاتم من طريق صفية بنت شيبة، قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة: إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار؛ أشد تصديقًا لكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لمَّا أنزلت سورة النور: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله عليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبيته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رءوسهن الغربان\"."
والاعتجار في لغة العرب: هو لف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه، يعضد ذلك ما جاء في رواية البخاري 4759 وفيها من طريق عائشة بحق نساء المهاجرين: لما نزلت هذه الآية - (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) - أخذن أزُرهن فشققنها من قِبَل الحواشي فاختمرن بها .. قال الحافظ ابن حجر: \"قوله: (فاختمرن) أي: غطين وجوههن\"، وهو كما جاء موضحًا في رواية البخاري السالفة الذكر، وشرحِه في الفتح 8/ 347: \"أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع\".. وهو كذلك في لغة العرب، \"ففي حديث عُبيد الله بن عدي بن الخيار: أنه جاء وهو معتجر بعمامته ما يَرى وحشيٌّ منه إلا عينيه ورجليه، والاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه ويردُّ طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه\"، كذا ذكره ابن الأثير، وقال محمد بن الحسن كما في المبسوط1/ 31: \"لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب، وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه، وطرفًا منه يجعله شبه المعجر للنساء، وهو: أن يلفه حول وجهه\".
وقد هال منظر نساء الأنصار الشيخ الشنقيطي فراح يقول: \"فترى عائشة رضي الله عنها مع علمها وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشدَّ منهن تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل .. وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من الآية، من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزله .. وهو أيضًا صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن، تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى\".
ثم يقول متعجبًا ممن لا يعرف لغة العرب ولا يريد أن يتفهم مرادات ما جاء في الوحي ولا أن يقف على معاني ما جاء عن النبي في هذا الصدد ولا ما أقره، ثم يفتي بعد ذلك بغير علم: \"فالعجب كل العجب ممن يَدَّعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين\".