الصفحة 12 من 87

والمودودي رحمه الله تعالى، بعد أن نقل في كتابه (الحجاب) ص302، 303 جملة من أقوال المفسرين قال: \"ويتضح من هذه الأقوال جميعًا أنه من لدن عصر الصحابة .. حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد هو ما فهمناه من كلماتها، وإذا رجعنا بعد ذلك إلى الأحاديث النبوية والآثار، علمنا منها أيضًا أن النساء قد شرعن يلبسن النقاب على العموم بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي، وكن لا يخرجن سافرات، وكل من تأمل كلمات الآية وما فسرها به أهل التفسير في جميع الأزمان بالاتفاق وما تعامل عليه الناس على عهد النبي ، لم ير في الأمر مجالًا للجحود بأن المرأة قد أمرها الشرع الإسلامي بستر وجهها عن الأجانب، وأنه مازال العمل جاريًا عليه منذ عهد النبي إلى هذا اليوم\"ا. هـ باختصار.

وكان أبو هشام الأنصاري قد ذكر من وجوه الدلالة في الآية على وجوب النقاب - والتي على أساسها أقدمت نساء الأنصار على ما فعلن - أن الله تعالى لم يقل (يتجلببن) ، وإنما قال: (يدنين) ، ومعلوم أن الإدناء ليس هو نفس التجلبب، بل هو أمر زائد على التجلبب، فلا يحصل الامتثال بهذا الأمر بمجرد التجلبب، بل بهذا القدر الزائد عليه يحصل الإدناء .. وأن الإدناء لا يتعدى في الأصل بـ (على) ، وإنما عدي هنا بـ (على) لتضمينه معنى الإرخاء الذي يكون من فوق، وعليه فالمعنى: يرخين شيئًا من جلابيبهن من فوق رءوسهن على وجوههن، ثم إن الإتيان بحرف (مِن) التبعيضية مقتضاه أن الإدناء يكون بجزء من الجلباب .. ثم إن الضمير في (يدنين) يرجع إلى ثلاث طوائف جمعاء: إلى أزواج النبي ، وإلى بناته الطاهرات، وإلى نساء المؤمنين، وقد أجمعوا على أن ستر الوجه والكفين كان واجبًا على أزواجه ، فإذا دل هذا الفعل على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة منها، فلزم أن يدل نفس ذلك الفعل على نفس ذلك الوجوب في حق الطائفتين الأخريين.

وأيضًا فإن تفسير البعض (يدنين) بـ (يتقنعن) أو (يتلفعن) قرينة تدل على ستر الوجه؛ إذ لا معنى لهاتين الكلمتين في لغة العرب سوى ذلك .. كما أن سبب نزول الآية ينص على أن الله تعالى درأ بأمر إدناء الجلباب مفسدة من عظيم المفاسد، وهي تعرض الفساق للنساء، ولا معنى لأن يكون الإدناء الذي شُرع تلافيًا لتعرض هؤلاء، بدون تغطية الوجه وستره؛ إذ بدون ذلك تضيع الحكمة وتفوت العلة من نزول الآية، لأنه من المعروف أن التقاء النظرين يُحدث انجذابًا في القلبين قلما يصبر أحدهما عن الآخر.

يضاف لما سبق أن قوله: (يدنين) صيغة مضارع للأمر، ومعلوم أن الأمر للوجوب، وأنه إذا ورد بصيغة المضارع يكون آكد في الدلالة على الوجوب .. وأن من تصدى من الصحابة والتابعين وجهابذة علماء أهل التأويل لتفسير إدناء الجلباب، فسَّره - على نحو ما رأينا - بستر الوجوه، وكلامهم في ذلك حجة على من سواهم؛ إذ لا يقدر أحد أن يقول: إن أولئك كانوا يجهلون معنى هذه الآية ويتواطئون على خلاف ما دلت عليه، أو يجهلون لغة العرب وأن الأمر في الآية - على ما تقضيه هذه اللغة - للوجوب، ومن ثم تسنى لجُلهِم أن يصرح به.

ونخلص مما سبق، إلى أن تفسير الإدناء بتغطية الوجه وإرخاء المرأة بعض جلبابها بإنزاله من فوق رأسها وبعضه الآخر تشده على وجهها بحيث تُظهِر عينيها أو عينًا واحدة فتتقنع به، أو ما كان يصب في هذا المعنى، هو ما فهمه الصحابة وفهمته الصحابيات، وعلى إثره تمت الاستجابة لما أمرهن الله تعالى به، وليس أمامنا من سبيل إلا أن يسعنا من الفهم وإدراك مراد الله تعالى والعمل على تنفيذه، ما وسعهم ووسع من تلاهم من أهل العلم والفضل ممن وليهم من خير القرون أو ولي من وليهم .. وذلك إن كنا نبغي أن نكون ممن اتبعوهم بإحسان، ونريد لأنفسنا إعمال قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم .. التوبة/ 100) ، وممن عناهم الله بقوله بعد ذكر المهاجرين والأنصار: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم .. الحشر/ 10) ، وقوله صلوات الله وسلامه عليه في الصحيح بحق من يريد لنفسه أن يستن بسنتهم ويقتفي أثرهم وينجو من داء الفرقة والاختلاف: (إنه من يعش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار) .

الدليل الرابع

آية تحريم الخضوع بالقول .. ووجه دلالتها على فرضية النقاب

وفيها يقول الله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا .. الأحزاب/ 32) ، ومحل الشاهد هنا هو قوله: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) .. وهو - على نحو ما ترى - دليل استنباطي مؤداه: أنه إذا طال النهي عن الافتتان بالمرأة، منعها من أن تتغنج للرجل فتلين له صوتها وترققه .. فإن الأولى بأن يطاله النهي - خشية الافتتان - منعها من أن تمكنه من رؤية وجهها الذي هو مجمع الافتتان ومكمن الحسن ومظهر الجمال ومعرض الوله وموطن الإغراء ومنبع الفتنة وأصل الزينة وأول مراتب تعلق القلب ومحبته وتيهه وعشقه ووجده، كما قال أحمد شوقي موضحًا مداخل الشيطان ومرتبًا مراحل مآتيه:

نظرة فابتسامة فسلام ... * ... فكلام فموعد فلقاء

ولأجل كل ذا عدَّه البعض من أقوى الأدلة على فرضية النقاب .. ففي كتابه (حراسة الفضيلة) يقول الشيخ بكر أبو زيد ص42: \"وهذا الوجه الناهي عن الخضوع في القول، غاية في الدلالة على فرضية الحجاب على نساء المؤمنين من باب أولى، وإن عدم الخضوع بالقول من أسباب حفظ الفرج، وعدم الخضوع بالقول لا يتم إلا بداعي الحياء والعفة والاحتشام، وهذه المعاني كامنة في الحجاب\".

وكان الأصل في هذا الدليل أن يأتي قبل سابقيه، وإنما أردت من تقديم ما قدمته - على الرغم من أهمية ما نقلته بشأن دليل النهي عن الخضوع بالقول من كتاب (حراسة الفضيلة) - استصحاب ما جاءت دلالته بطريق (عبارة النص) ، في سائر أدلتنا على فرضية النقاب من الكتاب والسنة.

وبيانه: أن آية الإدناء نص في وجوب تغطية وجه المرأة، ذلك أن \"قوله تعالى: (يدنين) خبر بمعنى الأمر، أو جواب الأمر\"كما مر بنا، وكما نص عليه الشهاب في حاشيته على البيضاوي، وأفاده الطبري وغير واحد ممن سبق ذكر أقوالهم، وأن الأمر إذا ورد بصيغة المضارع يكون آكد في الدلالة على الوجوب .. كما أن الآية نصت بصريح العبارة على تعميم هذا الحكم بحيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت