لا يمكن لعاقل أو لعاقلة - إلا عند انطماس البصيرة عياذًا بالله من ذلك - أن يقول أن حكم الإدناء لا يشمل نساء المؤمنين، أو أنه خاص بنساء النبي وبناته، وما ذاك إلا لأن عبارة (ونساء المؤمنين) من قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين .. الأحزاب/ 59) ، نص في عموم الخطاب بحيث يشمل إلى جانب نساء النبي وبناته، سائر نساء المؤمنين.
ولا أدل على هذا، من اتفاق كلمة أهل العلم على نحو ما مر بنا في الدليل الأول .. ولا أدل عليه كذلك مما قمن نساء الأنصار بعمله وتنفيذه على أكمل وجه وأتم صورة على ما ذكرنا في الدليل الثاني، وكذا نساء المهاجرين على ما سيأتي تفصيل القول بحقهن.
على أن هذا الأصل سنحتاج إليه في جُلِّ أدلة النقاب، لكون معظمها - لحكمة أرادها سبحانه من نحو ما سبق ذكره في مقدمة هذا الكتاب وما يأتي من ذلك في ثناياه - جاء عن طريقهن، أعني عن طريق توجيه الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأريد به مع ذلك سائر من تصلح لها الخطاب من نساء المؤمنين .. وعليه فلا مجال للسؤال القائل: إذا كان الخطاب هنا في قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء .. ) الآيتان وما تضمنتاه من أوامر .. كذا بما يصرح بتفرد زوجات النبي بالنداء، وبما يفيد مغايرتهن لغيرهن، فما بال نساء المؤمنين يُلزمن بما اندرج تحت هذا النداء من أوامر؟!.
لأننا سنبادر إلى القول بما أشار إليه بعض العلماء من أنه لمَّا كان الحجاب بهيئته التي استقر عليها مؤخرًا، أمرًا عظيمًا في درء مفسدة الافتتان التي اعتاد عليها الناس قبل الإسلام، وشديدًا على نفوس المسلمات تنفيذه لمخالفته لما كن عليه في جاهليتهن ولما جبلت عليه أية فتاة من حب التزين والتنشئة عليها .. ولمَّا لم يمكن فيه التدرج على نحو ما تم في الأمر بالصيام مثلًا، ولم ينه عن ضده وهو التبرج تدريجيًَّا على نحو ما كان النهي عن شرب الخمر .. بدأ الله فيه بنساء رسول الله حتى لا يستصعبه أحد من سائر النساء اللواتي جاء الخطاب لكل منهن على حدة في قوله بعد: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا .. الأحزاب/ 36) ، وأيضًا حتى لا يقول أحد ممن لم يؤمنوا من أهل الكفر والنفاق ممن جاء النهي للنبي باتباعهم في قوله تعالى بعد: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم .. الأحزاب/ 48) : انظروا كيف ألزم نساء الناس البيوت والحجاب وأتاهم بما يصعب عليهن من الأمور، وترك نساءه وبناته غاديات رائحات ينعمن بالحياة!، أو نحو ذلك.
فلما فرضه سبحانه على نساء رسوله ، لم يبق مجال لمثل هذا، ولا لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ترغب بنفسها عن اتباع هَدْيِ نساء وبنات الرسول عليه وعليهن السلام، فترى السفور لها ولا تراه لأزواجه وبناته الطاهرات، قال القرطبي: \"وإن كان الخطاب لنساء النبي فقد دخل فيه غيرهن بالمعنى\"، وقال صاحب (نظرات في حجاب المرأة المسلمة) : \"قد قَرَنَ الله تعالى هذا التوجيه بالتقوى، حيث لا تلتزم بتلك الصفات المحمودة المشروعة إلا من تخشى الله تعالى وتتقيه من كل النساء، وهذا السياق قيل لنساء النبي ، فهل يقول أحد من المسلمين: إن الحكم خاص بأزواج النبي فقط، وإن للنساء المؤمنات أن يخالفنه؟! هذا لا يقول به أحد، والحكم فيه لعموم اللفظ لا لخصوص السبب .. وهذا كله ظاهر، لأن هذه كلها أحكام وآداب وتوجيه من الله جل جلاله لتحتفظ المرأة المسلمة بكرامتها وحصانتها، وأيضًا لقطع دابر الوسائل التي تقرب إلى الفتنة والشر، وهذا سبيل من كان يرجو الله واليوم الآخر\".
والحق أن القول بأن الآية - محل الاستشهاد - نزلت في نساء النبي وهي خاصة بهن ولا تعلق لها بغيرهن من نساء المؤمنين وبناتهم، قول مضحك، وهو من أعجب العجب .. إذ كيف تتحقق القدوة بهن وهن في واد ونساء وبنات المسلمين في واد آخر، قال الحافظ ابن كثير3/ 499 في بيان ذلك وفي تفسير هذه الآية وما بعدها: \"هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ونساء الأمة تبع لهن في ذلك\"، وفي كتاب (الحجاب) : \"نعم يجوز لهن - يعني عامة النساء - التكلم في حاجتهن، لكنه يجب أن لا يكون في كلامهن لين وخضوع ولا في لهجتهن عذوبة وتشويق، كل هذه الضوابط والحدود - إن راعتها النساء - جاز لهن أن يخرجن لحوائجهن\".. وفي رسالة (الحجاب والسفور) ما نصه: \"نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين - وهن من خير النساء وأطهرهن - عن الخضوع بالقول للرجال، وهو تليين القول وترقيقه لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا، ويظن أنهن يوافقنه على ذلك\".
ويسلمنا ما ذُكر هنا، إلى القول بأن الذي نُفي أن يكنَّ مشبهات فيه بغيرهن، هو كونهن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خاتم المرسلين وخير خلق الله أجمعين r، إضافة لما خُصِصْن به مما عرف بحجاب الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر والقرن فيها، بحيث لا يَرى الرجال شيئًا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة.
لكن لا يزال السؤال: ما علاقة هذا القول الحكيم (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا) ، بمسألة تغطية المرأة المسلمة وجهها؟، وإذا كان ثمة علاقة فما وجه الدلالة في هذه الآية على فرضية النقاب؟.
وجوابه: أن هذا ما أفادته دلالة النص بطريق الأولى، فإن الأولى من منع المؤمنة من ترقيق قولها إذا تكلمت مع أجنبي عنها ليس بمَحْرمٍ لها، والأولى من منعها من تليين القول إذا أرادت الخروج من بيتها لقضاء حاجة من حوائجها، منعها من أن تقع عليها أعين الرجال فينظر الغادي والرائح إليها ويفتن بها من يفتن.
ولا يشك عاقل ما لتأثير خضوع المرأة بالقول من افتتان للرجل، فقد يكون صوت المرأة رخيمًا يحرك النفوس المريضة، فيجرها إلى التفكير في المعصية، أو يوقعها ويوقع بها في بلية العشق، ومن هنا سد الإسلام على المرأة كل سبيل يؤدي لفتح هذا الباب، حتى ولو نابها شيء في الصلاة، لأنه شرع لها حينذاك التصفيق ولم يشرع لها ما شرعه للرجال من التسبيح، كما لم يخول لها أن تؤم الناس في الصلاة ولم يشرع لها أن تؤذِن لها أصلًا، بل وجاء قوله: (والأذنان زناهما الاستماع) ، وفي رواية: (والأذن تزني وزناهما السمع) .. ولا عجب من ذلك حين نوقن أن الذي قضى بذلك هو سبحانه العليم بذات الصدور، وحين نرى بعض الفقهاء يفتي بأن صوت المرأة عورة، وحين نسمع بشارًا وهو يترنم بصوت فتاته فيقول:
يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة * والأذن تعشق قبل العين أحيانا
فإذا كان هذا هو حكم الشارع ورأي الفقهاء وما فُطر عليه البشر فيما يتعلق بصوت المرأة، وإذا كان ما أحدثه صوت فتاة بشار وخضوعها له بالقول قد وصل به إلى حد ما ذكر، وأعمل فيه هذا الأثر الخطير الذي قلب حياته رأسًا على عقب .. فما يمكن أن