الصفحة 14 من 87

يصل إليه مدى تأثير نظر الرجل إلى وجه المرأة الذي هو مجمع محاسنها وبه يعرف درجة الجمال، وإيثار من يريد خِطبتها على غيرها؟!.

إنه لا دلالة إذن لكل ما حدَّثْنا به، سوى أن المرأة إذا نهيت عن الخضوع بالقول لأجنبي، كان نهيها عن أن تكشف وجهها له بطريق الأولى، ولا يتأتى هذا الأولى - بالطبع - إلا بتغطية المرأة وجهها، ومن ثم فقد دلت الآية ضمنًا على وجوب ستر الوجه .. فإن هذا مما يتحتم فعله إذا أرادت أن تسد ذريعة افتتان الرجل بها وتأثره بصوتها، وأرادت لنفسها السلامة من القيل والقال، وأرادت كذلك النجاة بنفسها من الوقوع في حبائل شياطين الإنس والجن، والعصمة مما يقع ونسمع عنه كثيرًا في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا جراء الترخص فيما نهى عنه الشارع الحكيم من التغنج والترقيق في الصوت .. وهذا يعرف عند علماء الأصول بـ (القياس الجلي) و (من باب أولى) ، كتحريم ضرب الأبوين قياسًا على تحريم التأفف في قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا .. الإسراء/ 23) .

ويستأنس له بما ورد عن النبي من أحاديث تنهى عن مثل السماع كما في الحديث السالف الذكر وفيه: (العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطى، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ، حيث قرن عليه السلام - بطريق القياس - حرمة النظر الناشئ عن القصد من الرجل أو الإظهار من المرأة، بحرمة السماع الناشئ عن الخضوع بالقول الذي يتأتى بطريق الأذن والسماع .. فإذا ما أضفنا إلى هذا أن الإسلام يقدر ما ركب في طبيعة الرجل والمرأة من التجاذب الذي يؤدي إلى الافتتان والفساد، وأن الناس إذا تركوا لدواعي أهوائهم فسدت الأعراض وفشت الإباحية، تأكد لنا كم كان الإسلام حريصًا فيما شرعه لعباده على سلامة الفرد والمجتمع بسد أبواب الفتنة.

وما يجري، خيرُ شاهد على وجوب تجنب هذا الباب العظيم من أبواب الفتنة بحق سائر نساء المسلمين وبناتهم، فمنع الإسلام من ترقيق صوت المرأة - أية امرأة - وتليينه إذا تكلمت، هو من باب سد الذرائع الذي هو من أعظم أبواب هذا الدين القويم، فكيف لا يُلزم به - والحال كذلك - عامة النساء؟! .. إنه لا معنى لأن ينهى الله تعالى نساء النبي وبناته عن الخضوع بالقول، ولا يكون الغرض من ورائه صونهن وصون عامة من ورائهن من نساء المؤمنين عن النظرة الحرام التي لا يمكن تلافيها إلا بارتداء ما يستر الوجه، كما أنه لا معنى لأن تثار قضية أن صوت المرأة عورة دون أن يكون وجهها الذي فيه مجامع الحسن يجب ستره أيضًا، لكونه هو الآخر - ومن باب أولى - عورة يجب أن يستر عن أعين الرجال.

الدليل الخامس

آية تحريم التبرج ووجه تعميمها وإفادتها تغطية الوجه

وفيها - عقب الآية الماضية مباشرة - يقول الله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله .. الأحزاب/ 33) .. قال الإمام أبو حيان في تفسيره للآيتين: \"كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيًا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوهن\".. وقال الإمام القرطبي8/ 5511: \"لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن\".. كذا هي عبارتهما في الدلالة على عموم الخطاب لسائر نساء المؤمنين وبما يدل على أن عدم تغطية المرأة وجهها داخل في معنى التبرج، وعبارة غيرهما لا تخالفها .. وكان البقاعي قد نقل في نظم الدر 5/ 284 عن أبي صالح قوله \"في الجمع بين العباب والمحكم: تبرجت المرأة: أظهرت وجهها\".

وفي تناوله لحديث سودة مع عمر رضوان الله عليهما بشأن نزول آية الحجاب، وقوله: (قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) ، قال القرطبي - رحمه الله - في المفهم بشرح مسلم (باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان) : \"لا خلاف في أن للمرأة أن تخرج لِمَا تحتاج إليه من أمورها الجائزة لكنها تخرج على حال بذاذة، وتستُّر، وخشونة ملبس؛ بحيث يستر حجم أعضائها، غير متطيِّبة، ولا متبرِّجة بزينة، ولا رافعة صوتها .. وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها: أن تكون بحيث لا تمتد لها عين، ولا تميل إليها نفس، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان؛ لما يُظهرن من الزينة والطيب، والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فسوق وعصيان\".

ولا يقولن قائل بعد ذاك: إن الآيتين نص في تخصيص ما جاء فيهما لنساء النبي .. فإن عادة توجيه الخطاب لعامة نساء المؤمنين يأتي بطريق غير مباشر وعن طريق زوجات النبي ، وهذا أسلوب عال ومنهج رفيع في التربية أشبه ما يكون بقولك لبنت تناصحها قائلًا: (يا بنيتي لست كواحدة من عامة النساء حتى تتسكعي في الشوارع وتتبذلي وتضحكي للشباب وتخضعي لهم بالقول وتأتي بما لا يليق من الحركات، فعليك بالأدب واللياقة) ، فقولك هذا، لا يعني أن سائر البنات يُحمد فيهن التبذل ومضاحكة الشباب وتسكع الشوارع وإتيان الحركات السيئة ولا يطلب منهن الأدب واللياقة، بل المراد بمثل قولك هذا، تحديد معيار لمحاسن الأخلاق وفضائلها كي تتطلع وتصبو إليها كل بنت تريد أن تعيش كنجباء البنات، فتسعى من ثم في بلوغ الغاية في الأدب واللياقة .. وهكذا فعل القرآن حين اختار هذا الأسلوب وهذه الطريقة في مخاطبة نساء النبي ، فقد أراد أن يضبطهن بضابطه على وجه خاص حتى يكُنَّ أسوة لسائر النساء ولتُتَّبع طريقتهن وعاداتهن في بيوت عامة المسلمين، على ما هو الحال في اتخاذ القدوة من القَيِّم عليهن ، وبذا يكون هو وأهل بيته أمثلة تحتذى لكل أسرة ولكل لبنة من اللبنات التي يتشكل منها مجتمع الإسلام، فيتحقق الاقتداء حينذاك من جميع الأوجه.

وإذا كان القرآن قد صرح بذلك في قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .. الأحزاب/ 21) ، فإن الأمر مع حافظات سره وألصق الناس به ومع تصرفه وتربيته لبناته وأحفاده وأهل بيته وأقربائه، هو من هذا القبيل .. وإلا فأيٍّ من هذه الوصايا الربانية والتوجيهات الإلهية السالف ذكرها لا تتصل بعامة النساء المسلمات؟ وهل النساء المسلمات - من غير نسائه - لا يجب عليهن أن يتقين الله تعالى، أو قد أبيح لهن أن يتبرجن تبرج الجاهلية أو يخرجن سافرات بارزات؟ وهل يحل لهن أن يتركن الصلاة ويمنعن الزكاة ويُعرضن عن طاعة الله ورسوله؟ أو أن يدعهن الله - جلت حكمته - في الرجس فلا يشرع لهن ما يطهرهن تطهيرًا؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت