الصفحة 15 من 87

فإذا ما قنعنا بأن هذه الأوامر والإرشادات عامة لجميع المسلمات، فما المبرر لتخصيص سائر ما ورد في سياق مخاطبة أمهات المؤمنين بالآيتين، ومن ذلك بالطبع ملازمة تغطية الوجه والنهي عن السفور عنه وعدم مخالطة الأجانب أو الخضوع لهم بالقول إلى غير ذلك، لجعله خاصًا بهن فقط؟ إن التوجيه الرباني والتربية الإلهية لكل النساء في شخص أمهات المؤمنين، إنما هو من باب: (إياك أعني وافهمي يا جارة) .. وإذا تقرر هذا فإن كل ما ثبت لنسائه عليه السلام ثبت لغيرهن، فيما عدا ما سبق تقريره مما سمي بحجاب الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر والقرن فيها، بحيث لا يرى الرجال شيئًا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة، ولقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم وفطاحل أهل العلم أن الأمر في الآيات محل الشاهد، يقتضي العموم وأن سياق الآية يفيده ويقتضيه، وهم حجة على من سواهم، وإليك بعضًا من أقوالهم التي يردُّ بها على من قال بقول القاضي عياض في تخصيص ذلك بزوجات النبي:

قال الإمام أبو بكر الجصاص: \"هذه الأمور كلها مما أدب الله تعالى به نساء النبي صيانة لهن، وسائر النساء المؤمنات مرادات بها\"، وهو في معنى كلام أبي حيان الذي مر بنا منذ قليل.

وقال العلامة أنور الكشميري في فيض الباري1/ 254: \"الخطاب وإن كان خاصًَّا إلا أن الحكم عام، ثم الخروج عند الحوائج ليس من تبرج الجاهلية الأولى في شيء، إنما تبرجهن أن يخرجن كالرجال بالوقاحة وعدم التستر\".. وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي: \"الخطاب وإن كان لنساء النبي فقد دخل فيه غيرهن\".

وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق في كتابه (صفوة البيان لمعاني القرآن) 2/ 183: \"ومثلهن - يعني زوجات النبي الطاهرات - في ذلك، سائر نساء المؤمنين\".. وقال الشيخ ابن باز في رسالة الحجاب والسفور14: \"وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن، فغيرهن أولى وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة .. ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية: (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) ، فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي وغيرهن\".

وقال الشيخ المراغي فضيلة شيخ الأزهر الأسبق: \" (وقرن في بيوتكن) أي: الْزَمن بيوتكن، لا تخرجن لغير حاجة، وهو أمر لهن ولسائر النساء\".. ويفيد الشيخ أبو بكر الجزائري: في كتابه (فصل الخطاب في المرأة والحجاب) ص 35 وما بعدها، أن في الآيتين دلالات كبرى كلها تؤكد حكم تغطية الوجه وتقرره، وهي كالتالي:

أ - منع المؤمنة من ترقيق قولها وتليينه إذا تكلمت مع أجنبي عنها ليس مَحْرَمًَا لها.

ب - تقدير وجود مرض الشهوة في قلوب بعض المؤمنين، وهي علة نهي المرأة عن ترقيق قولها إذا قالت.

جـ - وجوب تحديد العبارة والتكلم على قدر الحاجة، بحيث لا تزيد المرأة إذا تكلمت مع أجنبي عما ليس بضروري للإفهام، فلا يجوز منها إطناب ولا استطراد، بل يجب أن تكون كلماتها على قدر حاجتها في خطابها.

د - لزوم المرأة المسلمة بيتها وهو مقر عملها الطبيعي، فلا تخرج إلا لحاجة ماسة، إذ البيت هو محل تربية أولادها وخدمة زوجها وعبادة ربها بالصلاة والزكاة وذكر الله وما والاه.

هـ - تحريم التبرج، وهو خروج المرأة المسلمة عن بيتها كاشفة من وجهها، مظهرة لمحاسنها غير خجلة ولا محتشمة حيية .. إن هذه الدلالات الخمسة في خطاب أمهات المؤمنين، كل واحدة منها دالة بفحواها على فرضية الحجاب وتحتمه على المرأة المسلمة.

هذا ما تيسر ذكره من كلام أهل العلم، وكلام غيرهم لا يخالفه، وسيأتي في المبحث الثالث ذكر المزيد من أقوالهم في أن التبرج يعني فيما يعني سفور وجه المرأة بكشفه وعدم تغطيته .. كما أن ما فعلته صحابيات المهاجرين والأنصار حين فهمن عموم الأمر والنهي - فيما لم يكن صريحًا بحقهن - وحملنه على الوجوب بعد أن فهمن أنه شامل لهن ولجميع نساء المؤمنين إلى يوم الدين، ليس عنا ببعيد .. غير أن المبطلين لم يروا ذلك، فقالوا إن آية (ولا تبرجن تبرج الجاهلية) والتي قبلها نزلت في نساء النبي ، وهي خاصة بهن ولا تعلق لها بغيرهن من نساء المؤمنين وبناتهم .. ونحن بدورنا لو استعرضنا ما أثاروه من شبهات حول الآية محل الاستشهاد وحول ما اختُصت به زوجات النبي ، لما تعدت في مجملها ما يلي:

الشبهة الأولى: غياب ما اختُصت به زوجات النبي على الحقيقة حتى على بعض أهل العلم، وهو: حجاب الأشخاص في البيوت بالجُدر والخُدر وأمثالها، بحيث لا يَرى الرجال شيئًا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة فضلًا عن الباطنة .. فإن ذلك هو الحجاب الذي عدَّه من عده من أهل التحقيق خاصًا بهن، وهو كما ترى قدر زائد على الحجاب المعروف الذي نحن بصدده، وقد أحدثَ هذا الخلطَ عبارةُ القاضي عياض حين قال: \"فَرْضُ الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا في غيرها، كما لا يجوز لهن إظهار شخوصهن - وإن كن مستترات - إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبَراز .. وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حُجبن وسَترنَ أشخاصهن - يعني لكون ذلك مما اختصصن به - كما جاء في الموطأ من حديث حفصة يوم وفاة عمر، ولما توفيت زينب جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها\"ا. هـ، ففي كلامه - كما هو متضح بإقحامه الوجه والكفين وبقوله باختصاص زوجات النبي بفرضية حجب وجوههن وجعله سنة بحق غيرهن، وعدم معرفته ما هو الواجب حجبه بحق كل - خلط وإلغاز.

ولعل ما يؤكد ما ذهبتُ إليه، اضطرابه هو في حكم كشف وجه المرأة وكفيها، فقد نقل عنه ابن مفلح في الفروع1/ 601 قوله: \"المراد بما ظهر من الزينة: الثياب، لقول ابن مسعود وغيره\"، كذا بما يعني أن الوجه والكفين عورة، وكان العلامة صالح بن عبد السميع الأزهري قد نقل عنه القول بعدم وجوب سترهما ووجوب غض البصر عن رؤيتهما، مما يعني أنهما ليسا بعورة، بينا نقل عنه المرداوي القولين.

ويؤكد دعوى خلطه وإلغازه، صريح ما جاء في قول الله تعالى: (وإذا سألتموهم فاسألوهن من وراء حجاب .. الأحزاب/ 53) ، قال ابن كثير 3/ 522 في معنى توجيه الخطاب للصحابة: \"كما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن، فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب\"، وكلام غيره لا يخالفه .. فهذا القدر الزائد عما فرض على سائر نساء المؤمنين لم يمنع المهاجرات والأنصاريات من أن يسرعن بتغطية وجوههن، وذلك بموجب ما فهمنه على الإلزام من آيتي الإدناء والحجاب.

وعليه فلا صحة لما ذهب إليه عياض من أن فرض الحجاب هو مما اختصت به زوجات النبي الطاهرات .. وكذا ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيمًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت