الأحزاب/ 53)، فقد نزلت بعد قوله: (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب) ، وعلى إثر قول العالم بلغته وهو بعض قرابةٍ لزوجات النبي r: ( نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟!) .. كذا بما يفيد الاستغراب من منع مخاطبتهن - على ما لهم من صلة القرابة - فضلًا عن رؤيتهن بالكلية إلا من وراء الجدر حتى ولو كن مغطيات وجوههن .. وإلا فلو كن مع ذي القرابة كغيرهن، فما معنى وما محل الاستغراب إذن؟!، وأين هذا أوهمه القاضي من إقحامه وجوههن وأكفهن وهما ممنوعان للأجانب معهن ومع سائر نساء المؤمنين على السواء، وأين هذا مما فاه به من استثناء غير زوجاته من إيجاب تغطية الوجوه والأيدي وجعله كما جاء عنه في موضع آخر مجرد سنة؟!.
كما يؤكد دعوى خلطه وإلغازه، ما رواه محمد بن سيرين، يقول: \"نبئت أنه قيل لسودة بنت زمعة زوج النبي: لم لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك؟ قالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي حتى أموت فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت، قال فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى خرجت جنازتها، وهذا حكم عام قد استثني منه الخروج للحاجة، قال فيما رواه البخاري: (قد أُذِن لكن في الخروج لحاجتكن) \".
أقول: ويدخل في ذلك ما شهدت به الأخبار من زيارتهن الوالدين وعيادتهن المرضى وتعزيتهن الأقارب وخروجهن مع النبي في الغزوات، وما كان منهن في الحج على نحو ما جاء في خبر أم معبد فيما أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى8/ 209 قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجَّا بنساء النبي r، فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر، وهن حَجِرة من النساء، يسير أمامهن ابن عفان على راحلته، يصيح إذ دنا منهن أحد: (إليك، إليك) ، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذلك، فنزلن بقرية قريبًا من منزلي، اعتزلن الناس، وقد ستروا عليهن الشجر من كل ناحية، فدخلت عليهن وهن ثمان جميعًا.
وكذا ما كان منها رضوان الله عليها إبان خروجها لمصلحة المسلمين وحقن دمائهم على نحو ما جرى في واقعة الجمل لما سمعت بقتل عثمان وانحاز قتلته إلى عليٍّ يحاصرونه رضي الله عنهما، فقد حزنت - والقصة هنا يحكيها الآلوسي 22/ 14 مجلد12 ردًَّا على طعن الشيعة على عائشة بسبب خروجها وهي المأمورة باحتجاب الأشخاص - حزنًا شديدًا واستشعرت اختلال أمر المسلمين وحصول الفساد والفتنة فيما بينهم، وبينما هي كذلك جاءها طلحة والزبير ونعمان بن بشير وكعب بن عجرة في آخرين من الصحابة هاربين من المدينة، خائفين من قتلة عثمان الذين أظهروا المباهاة بفعلهم القبيح وأعلنوا بسب عثمان، فضاقت قلوب الصحابة الكرام وجعلوا يستقبحون ما وقع ويشنعون على أولئك السفلة ويلومونهم على ذلك الفعل الأشنع، فصح عند أولئك الصحابة البررة عزمهم على التحاقهم بعثمان بالمدينة، وحين علموا أن لا قدرة لهم على منعهم عنه إذا هموا بذلك، خرجوا إلى مكة ولاذوا بأم المؤمنين وأخبروها الخبر، فقالت:
أرى الصلاح ألا ترجعوا إلى المدينة ما دام أولئك السفلة فيها محيطين بمجلس الأمير عليٍّ رضي الله عنه غير قادر على القصاص منهم أو طردهم، فأقيموا ببلد تأمنون فيه وانتظروا انتظام أمور أمير المؤمنين عليٍّ وقوة شوكته، واسعوا في تفرقهم عنه وإعانته على الانتقام منهم ليكونوا عبرة لمن بعدهم، فارتضوا ذلك واستحسنوه واختاروا البصرة لما أنها كانت إذ ذاك مجمعًا لجنود المسلمين، وألحوا على أمهم عائشة رضي الله عنها أن تكون معهم إلى أن ترتفع الفتنة ويحصل الأمن وتنتظم أمور الخلافة، وأرادوا بذلك زيادة احترامهم وقوة أمنيتهم، لما أنها أم المؤمنين والزوج المحترمة غاية الاحترام لرسول الله وأنها كانت أحب أزواجه إليه وأكثرهم قبولًا عنده وبنت الخليفة الأول رضي الله عنه، فسارت معهم إلى البصرة بقصد الإصلاح وانتظام الأمور وحفظ عدة نفوس من كبار الصحابة، وكان معها ابن أختها عبد الله بن الزبير وغيره من أبناء أخواتها أم كلثوم زوج طلحة، وأسماء زوج الزبير، بل كل من معها هم بمنزلة الأبناء في المحرمية، وكانت في هودج من حديد.
فبلغ أولئك السفلة خبرَ توجه عليٍّ - الذي سبق قاصدًا البصرة - وحملوا توجهه على غير وجهه، وأنه خرج إليهم ليعاقبهم، وأشار عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس بعدم الخروج واللبث إلى أن يتضح الحال فأبى عليٌّ رضي الله عنه ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا وخرج ومعه من ذكرنا من الصحب الكرام، فلما وصلوا قريبًا من البصرة أرسلوا القعقاع بن عمرو التميمي إلى أم المؤمنين وطلحة والزبير ليتعرف مقاصدهم ووجهتهم، فجاء القعقاع إلى أم المؤمنين، فقال: يا أماه ما أشخصك وأقدمك إلى هذه البلدة؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس، ثم بعثت إلى طلحة والزبير، فقال القعقاع: أخبراني بوجه الصلح، قال: إقامة الحد على قتلة عثمان وتطييب قلوب أوليائه، فيكون ذلك سببًا لأمننا وعبرة لمن بعدهم، فقال القعقاع: هذا لا يكون إلا باتفاق كلمة المسلمين وسكون الفتنة، فعليكما بالمسلمة في هذه الساعة، فقالا: أصبت وأحسنت، فرجع القعقاع إلى عليٍّ فأخبره بذلك فسُرَّ واستبشر، وأشرف القوم من السفلة يوقعون بين من كان مع عائشة وبين جيش عليٍّ، فأظهروا المصالحة مع عليٍّ وأغاروا على مع من كان مع عائشة من المسلمين ليظنوا الغدر من الأمير عليٍّ، فيهجموا على عسكره ويظنوا بهم أنهم الذين غدروا فينشب القتال، فلما حدث ذلك وعجب منه الأمير عليٍّ ورأى الوطيس قد حمي والرجال قد سبحت بالدماء لم يسعه إلا الاشتغال بالحرب والطعن والضرب.
ويدل على غلبة القتلة وقوة شوكتهم ما في نهج البلاغة من قول بعض أصحاب عليٍّ له: لو عاقبت قومًا أجلبوا على عثمان؟ فقال: يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بهم والمجلبون على شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم، وها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم والتفت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا .. كما يدل على أن أم المؤمنين عائشة ما أرادت إلا الإصلاح وأنها رأت أن الأمر به يشملها وأمثالها ممن يرجى سماع كلامه، ندمها على ما جرى بين المسلمين غاية الندم، فقد روي أنها كلما كانت تذكر يوم الجمل تبكي حتى يبتل معجرها، بل أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر وابن أبي شيبة وابن سعد عن مسروق قال:
كانت عائشة رضي لله تعالى عنها إذا قرأت (وقرن في بيوتكن) بكت حتى يبتل خمارها، وما ذلك إلا لأن قراءتها تذكرها الواقعة التي قتل فيها كثير من المسلمين، وهكذا كان عليٌّ، فقد صح أنه لما وقع الانهزام على من كان مع أم المؤمنين وقُتل من قُتل من الجمعين، طاف في مكان القتلى وكان يضرب فخذيه ويقول: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا .. ويستفاد من جملة ذلك عدم صحة ما ادعاه الشيعة من أن بكاءها عند قراءة الآية لم يكن لعلمها أنها أخطأت في فهم معناها أو أنها نسيتها يوم خرجت، كما توهموا وجعلوا منه أداة للطعن في أشرف نساء العالمين، بل وادعاه بعضهم بقوله:
حفظتْ أربعين حديثًا * ومن الذكر آية تنساها
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا .. \"ومثل ذلك في الكذب زعمهم أنها رضي الله تعالى عنها ما خرجت وسارت إلى البصرة إلا لبغض علي كرم الله وجهه، فإنها لم تزل تروي مناقبه وفضائله لآخر لحظة في حياتها، ومن ذلك ما"