رواه الديلمي أنها قالت: قال رسول الله (حُبُّ عليٍّ عبادة) ، وقالت بعد وقوع ما وقع: (والله لم يكن بيني وبين عليٍّ إلا ما يكون بين المرأة وإحمائها) ، وقد أكرمها علي وأحسن مثواها، وبالغ في احترامها وردها إلى المدينة ومعها جماعة من نساء أعيان البصرة عزيزة كريمة، مصيبة مثابة فيما تأولت، مأجورة برة تقية مجتهدة فيما فعلت، وهذا - كذا يقول الآلوسي - مما يُرد به على الرافضة الزاعمين كفرها - وحاشاها - بما فعلت\"."
الدليل السادس والسابع
آية الحجاب، ووجه دلالة فعل وقول عمر بشأن سبب نزولها في فرضية وتعميم النقاب
ومن الأدلة على وجوب النقاب، قول الله تعالى في حق نساء النبي بالأساس، فيما يعرف بآية الحجاب: (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن .. الأحزاب/ 53) ، ودلالة الآية على فرضية الحجاب لنساء المؤمنين جاءت على غرار ما جاء بالدليلين الفائتين، أعني بطريق توجيه الخطاب لعامة نساء المؤمنين في شخص ومن خلال توجيهه لزوجات النبي الطاهرات .. وضمن ما ذُكر في سبب نزول الآية، ما أخرجه البخاري (4790) في كتاب التفسير باب (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) ، وكذا الطبري في تفسيرها وكلاهما من رواية أنس، من أن عمر كان يترجى نزول ما به يتم حجب نساء النبي r وذلك قبل نزول آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا .. الآية) ، يقول أنس: (قال عمر: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) ، فنزلت آيته.
ونظير ما سبق في سبب نزول آية الحجاب، ما رواه الطبري عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: أمر عمر نساء النبي ، بالحجاب فقالت زينب بنت جحش: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟!، فأنزل الله: (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب) .. وما رواه من غير ما طريق عن عروة عن عائشة - وقد أخرجاه في الصحيحين (146، 4795، 6240) ، (2170) - من أن أزواج النبي r كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيح، فكان عمر يقول للنبي r: ( احجب نساءك) ، فلم يكن رسول الله r يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي r ليلة من الليالي عشاءً، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر، (ألا قد عرفناكِ يا سودة) ، حرصًا على أن يُنزِلَ الله آية الحجاب، قالت عائشة: (فأنزل الله عز وجل الحجاب) .
ووجه الدلالة في خبر عمر - وهو الذي نزل القرآن غير ما مرة يوافقه، والذي كانت غيرته على أعراض المسلمين مضرب المثل، كما أنه الأعرف بمرادات الله ومرادات رسوله، والأحرص على فعل محاب الله ورسوله r، والأقدر على فعل العزائم من الأمور - أنه رضي الله عنه فهم من الآية ما فهمه r وما فهمته أمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات، وهو وقوع ما كان رضي الله عنه يتأمله ويتمناه من نزول أمر لزومي يحتم عليهن بصفة أخص وعلى نساء المؤمنين بصفة عامة، تغطية وجوههن .. أما من جانبه r فما كان له أن يقدم بين يدي الله عز وجل بعد نزول الأمر بالحجاب .. وأما من جانب عمر فذلك قوله للرسول r فيما رواه أنس: \" (لو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) ، فنزلت آيته\".. وأما من جانب عائشة فهو قولها الذي مر بنا: (فأنزل الله عز وجل الحجاب) .
وإنما جاءت الدلالة على عموم الأمر بتغطية الوجوه، مما قرره علماء الأصول وأشرنا إليه مرارًا وتكرارًا من أن الأمر في أمور الأحكام ليس بخصوص السبب وإنما بعموم اللفظ، اللهم إلا ما ورد فيه ما يدل على التخصيص، وهو هنا حجاب الأشخاص .. ومن هنا ساغ للطبري وغيره على ما سيأتي تفصيله أن يكشف عن هذا العموم .. ولا يسوغ أن يغيب عنا أن واحدًا في مثل عمر يخفى عليه هذا أو يقصر في العمل به أو أن لا يطبق على زوجه ما طبقه النبي على زوجاته، وأن يُقِرَّ نساء المؤمنين على ما أقرهن عليه ، فدل إقراره وقوله - المتمثلان في طلبه وإقرار عينه بتلبيته وموافقة الوحي لما أمله - على أن الأمر ليس خاصًا بنساء النبي فحسب وإنما هو عام فيهن وفي عامتهن.
وأما فعله، فقد دل عليه ما ذكره ابن عبد البر في (التمهيد) ، من أنه رضي الله عنه لما خطب عاتكة بنت زيد شرطت عليه ألا يضربها ولا يمنعها من الحق ولا من الصلاة في المسجد النبوي، ثم شرطت ذلك على الزبير، فاحتال عمر عليها رضي الله عنهما بأن كمُن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرت به ضربها على عَجيزتها، فلما رجعت قالت: (إنا لله!، فسد الناس!) فلم تخرج بعد .. فهو رضوان الله عليه لم يكتف من زوجه بما أمَّله وأقره من حجب النساء بتغطية وجوههن، حتى احتال عليها وأقعدها في بيتها بعد أن أثناها بحيلته عن الخروج، حتى عن الصلاة في المسجد النبوي الذي الصلاة فيه كما صح بألف صلاة.
وفي بيان ما دلت عليه الآية - محل الاستشهاد - من تعميم تغطية وجوه النساء ومنع الدخول عليهن على الوجوب، وحجب الأشخاص بالذات على الندب، يقول ابن جرير الطبري في معناها: \"وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعاَ، فاسألوهن من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن\".
ويقول العلامة الجصاص الحنفي المذهب: \"هذا الحكم وإن نزل خاصًا في النبي وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته\".. ويقول القاضي ابن العربي في (أحكام القرآن) 2/ 18 في تفسيره للآية: \"وهذا يدل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب، في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها، والمرأة كلها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة أو داء يكون ببدنها\".
ويقول الإمام القرطبي: \"في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض لهن أو مسألة يُستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعيَّن عندها\".
ومن علمائنا المحدثين ممن أفاد من الآية تعميم الحكم في فرضية النقاب، الشيخ بكر أبو زيد، فقد قال في كتابه (حراسة الفضيلة) ص 49 - وذلك إبان ذكره للقرائن الدالة على عموم الآية .. والتي منها: حجب الصحابة لنسائهم بعد نزولها بما يعني الإجماع على ذلك، وعموم علة فرض الحجاب، واتفاق علماء الأمة على أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، واشتراك زوجات النبي مع سائر النساء في حكم تحريم زواج الرجال من الأمهات باعتبار أن زوجاته أمهات للمؤمنين، وعموم نفي الجناح بخروج المرأة أمام محارمها، ودخول عامة النساء مع نساء النبي في قوله: (يدنين عليهن من جلابيبهن) - قال: \"ومن القرائن الدالة على عموم حكم فرض الحجاب على نساء المؤمنين: أن الله سبحانه استفتح الآية بقوله"