الصفحة 18 من 87

(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم .. ) ، وهذا الاستئذان أدب عام لجميع بيوت المؤمنين، ولا أحد يقول بقصر هذا الحكم على بيوت النبي دون بقية بيوت المؤمنين .. وساق بعدها كلام ابن كثير في هذا\"، وسنذكره له في حينه."

ومنهم صاحب أضواء البيان، إذ يقول: \"ومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام، هو ما تقرر في الأصول من أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، لأن خطاب النبي لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم؟ خلاف في حال، لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ الواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا فلا يكون صيغة عموم .. ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس."

أما القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه - بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف - من القياس الجلي .. وأما النص، فلقوله: (إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة إلا كقولي لمائة امرأة) ، وأشار إلى ذلك صاحب (مراقي السعود) بقوله:

خطاب واحد لغير الحنبل * من غير رَعْيِ النص والقيسِ الجلي\"."

يقول الشنقيطي: \"وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا تعلم أن حكم الحجاب - يقصد به النقاب كما أفاده من سائر ما سقناه له من النصوص - عام، وإن كان لفظها خاصًا بأزواجه ، لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة\".

ثم يخلص الشنقيطي إلى القول: بأن \"إذا علمتَ بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دل على الحجاب، ولو فرضنا - جدلًا - أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ، فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المؤمنين - كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم - من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة، غاشٌّ لأمة محمد ، مريض القلب\"، ولعله بعبارته الأخيرة يبغي الإشارة إلى قول الله تعالى بعد ذلك بآيات معدودة: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا. ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا .. الأحزاب/ 60، 61) .

ومما يدفع دعوى الاختصاص في الآية محل الاستشهاد: أن الاستثناء في قوله: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن .. الأحزاب/ 55) - يعني بالآية التالية بعد آية الحجاب وفي نفس السياق - عام في حقهن كما هو في حق غيرهن من نساء المؤمنين، وهو فرع من الأصل وهو الحجاب، فدعوى تخصيص الأصل يستلزم تخصيص الفرع، وهو غير مُسَلَّم لما علم تعميمه، إذ لا يساغ أن يقال لامرأة أباح الله لها أن تظهر على أبيها وابنها وأخيها: إن الله لم يوجب عليك التحجب عن غيرهم؟!.

ويؤكد على أن الاستثناء في آية الأحزاب عام، مجيء نظيره في حق سائر المؤمنين والمؤمنات، وذلك قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن .. الآية 31 من سورة النور) .. يقول الحافظ ابن كثير في تفسير آية (الأحزاب) : \"لما أمر الله تبارك وتعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم كما استثناهم في آية سورة (النور) \"، يعني لما بينهما في اتحاد الحكم وعمومه بين نساء النبي وسائر نساء المؤمنين .. يعضد ذلك ما قيل في سبب نزول آية الأحزاب وبعد الأمر بضرب الحجاب، فقد ذُكر في سبب نزولها آن آباء وأبناء وأقارب زوجاته قالوا: يا رسول الله، أو نحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب؟!، فنزلت.

ومما يدفع دعوى الاختصاص أيضًا - وقد سبق الإشارة إليه -: إشراك الله عز وجل أزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين في حكم واحد في نفس السياق، وتحديدًا في قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .. الأحزاب/ 59) ، حيث قارن بين الجميع في وجوب إدناء الثياب لتعم مع الرأس سائر الوجه .. وإذا كان الأمر كذلك، فكل ما ثبت لنسائه عليه السلام ثبت لغيرهن، وكل ما ثبت لغيرهن ثبت لهن، ولقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن الأمر يقتضي العموم، وأن سياق الآية يفيده ويقتضيه.

وفي شأن ذلك، يقول فضيلة الشيخ حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق في تفسيره للآية محل الاستشهاد وبيان ما تفيده من تعميم: \"وحكم نساء المؤمنين في ذلك حكم نسائه\".. ويقول غيره من بعض أهل العلم: إن قال قائل: إن هذه الآية خاصة بأمهات المؤمنين وقد نزلت بحقهن، قلت: إنها وإن كانت خاصة بنساء النبي من جهة السبب، فهي عامة من جهة الأحكام، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأكثر آيات القرآن ذوات أسباب في نزولها بلا خلاف بين العلماء، فإذا حصرنا أحكامها في دائرة أسبابها فما هو حظنا منها إذن؟، وألا نكون بحصرنا هذه الأحكام في أسباب نزولها قد عطلنا آيات الله وأبطلنا هذه الأحكام جملة وتفصيلًا؟، وهل أنزل القرآن ليطبق في عصر دون عصر وفي زمن دون أزمان؟.

وفي كتابه تيسير الوحيين1/ 144 فيما نقله عنه المقدم ص268 يقول الشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي - رحمه الله - بعد أن ذكر آيتي سورة الأحزاب33، 53 - (وقرن في بيوتكن) ، (وإذا سألتموهن متاعًا) - قال: \"إن قيل: الآيتان سياقهما وظاهرهما الخصوص بأزواج النبي ، قيل: كلا، بل الأصل في كل شريعة وآية، أنه يدخل تحتها كل فرد من الأمة ما لم يخرجه دليل، ولا دليل على اختصاصهن بذلك، إذ كل مؤمنة منهية عن الخضوع بالقول للرجال والتبرج الجاهلي بإبداء زينتها، كما أمرت بالقرار في البيت وترك الخروج منه إلا لمصلحة، وكذا كل مؤمن مأمور بحسن الأدب مع المؤمنات إذا سألهن حاجة أو متاعًا أن يكون من وراء حجاب، وأن لا يخرق عليها الحجاب ولا يأمرها بتركه، ولا يقرها على معصية إذا ائتمرت لأمره، فإذا خالفت فلا إثم على من سألها من المتقين\".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت