الصفحة 19 من 87

ويقول الشيخ أبو بكر الجزائري: \"هذه الآية - (وإذا سألتموهن فاسألوهن من وراء حجاب) - تعرف بآية الحجاب إذ هي أول آية نزلت في شأنه، وعلى إثرها حجب رسول الله نساءه وحجب المؤمنون نساءهم، وهي نص في فرض الحجاب، إذ قوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب) قطعي الدلالة في ذلك، ومن عجيب القول أن يقال: إن هذه الآية نزلت في نساء النبي فهي خاصة بهن دون باقي نساء المؤمنين، إذ لو كان الأمر كما قيل، لما حجب أصحاب رسول الله نساءهم، ولما كان لإذن رسول الله للخاطب أن ينظر لمن يخطبها معنى أبدًا، وفوق ذلك أن نساء النبي جعلهن الله تعالى أمهات المؤمنين، إذ قال الله تعالى: (وأزواجه أمهاتهم) ، فنكاحهن محرم على التأبيد كنكاح الأمهات\"، يريد: أنه إذا كان أمر النقاب في حقهن - مع هذا التحريم - على الوجوب، فحمله على الوجوب بحق غيرهن ممن ليسوا كذلك من باب أولى، \"من هنا كان الحكم عامًا يشمل كل مؤمنة إلى يوم القيامة، وكان من باب قياس الأولى، فتحريم الله تعالى التأفف للوالدين يدل على تحريم ضربهما من باب أولى .. وهذا، الذي دلت عليه نصوص الشريعة وعمل به المسلمون\".

ولا ينبغي أن يفوتنا التنويه على ما نبهنا له مرارًا، من أن الحجاب ثلاث درجات، وأن الخاص منها بزوجات النبي الطاهرات وهو أعلاها، هو: (حجاب الأشخاص) بحيث لا يُرى ذواتهن، وهو ما عناه القرآن بالأساس في قوله تعالى: (فاسألوهن من وراء حجاب) ، وأن ما كان بحق عامة نساء المسلمين على الإلزام هو الدرجة الثانية وهو حجاب الوجه والكفين وذلك بتغطيهما مع مراعاة شروط الحجاب الشرعي، وهذا هو القدر المشترك الذي يعم ويشمل مع زوجات النبي الطاهرات عامة نساء المؤمنين، وما زاد على ذلك هو ليس على الإلزام، وإنما نصيب عامة نساء المؤمنين منه هو الاستحباب .. وأن هذا وذاك من الدرجات، لا يعني أن يُرخَّصَ للمرأة أن تخرج بغير حاجة ولا ضرورة فتكون ولاجة خراجة، ولا للرجل - إذا اضطر للتعامل معها - أن يسيء الأدب أو يتعدى حدود ما شرع الله، وأنه بهذا - لا بغيره - يُجمع ويُوفق بين أقوال أهل العلم من أهل التحقيق.

الدليل الثامن

صنيع عمر مع سودة بعد نزول آية الحجاب، ودلالة ذلك على فرضية النقاب

وقريب من قصة عمر مع أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنهما التي وضح بالدليل الفائت وجه دلالتها على فرضية الحجاب ووجوب ستر وجه المرأة بنقاب ونحوه، ووقعت - على ما أفاده سياقها - قبل نزول آيته، وفيها قوله: (ألا قد عرفناك يا سودة) حرصًا على أن ينزل الله آية الحجاب .. ما روته عائشة رضي الله عنها في واقعة شبيهة جرت بعد نزولها .. قالت: خرجتْ سودة - بعدما ضرب الحجاب - لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تَخْرُجِين؟!، قالت: فانكفأتُ راجعة ورسول الله في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عَرَقٌ - هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم - فدخلتْ عليه، فقالتْ: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه وإن العَرَق في يده ما وضعه، فقال: (إنه أُذِنَ لكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن) .

ووجه الدلالة على فرضية النقاب في هذه الرواية الواضح أنها كانت بعد نزول الأمر بالحجاب، أن الأمر بستر وتغطية الوجوه، مر بمرحلتين أشار إليهما ابن حجر في الفتح 8/ 391 بقوله متأثرًا بالإمام القرطبي في المفهم: \"قال الكرماني: فإن قلت وقع هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب، وتقدم في الوضوء أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرتين، قلت: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني، والحاصل أن عمر رضي الله عنه وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله: (احجب نساءك) وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك فمُنع منه، وأُذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج\".

ولا دلالة لهذا، سوى التأكيد على وجوب ارتداء ما يغطي وجوه سائر نساء المؤمنين واندراجهن فيمن خوطبن بذلك في الأساس، مع مزيد تحفظ في ستر الأشخاص لنساء النبي r بخاصة، ومع مزيد بيان لكيفية التغطية لهن ولسائر نساء المؤمنين في آية الإدناء .. وسوى أن الأمر في هذه المرة جاء لنساء المؤمنين على أقل تقدير على التخيير والندب على سبيل الاقتداء، فلما نزلت آية الإدناء التي أدرجت نساء المؤمنين مع زوجات وبنات النبي الطاهرات صراحة، أزالت ما قد يكون عالقًا بالأذهان من أن الوجوب جاء خاصًا بحق نساء النبي r وحسب، وأن ما عداهن فهو بحقهن على الاستحباب، وصار حمل الأمر بالحجاب على الوجوب لازمًا بحق الجميع بحيث لا تتذرع واحدة ممن عاصرن نزول الآي الآمرة بالحجاب أو ممن تلتهن إلى يوم القيامة بأي سبب، فتدعي أن هذا الأمر خاص بنساء النبي فحسب .. وتلك هي عادة القرآن في التدرج وفي البدء دائما بمن يكون مضرب المثل وموضع القدوة والاحتذاء.

وثمة وجه آخر في الدلالة على فرضية النقاب بحق سائر نساء المؤمنين، تُلفتُ إليه رواية سودة التي نحن بصددها .. وهو أن سودة ساعة أن ذكر عمر ما ذكر، لم تُعرف من بين سائر من معها بوجهها، ولو كان الحجاب مختصًا بها وبأقرانها من زوجات النبي دون باقي نساء المؤمنين، لكان نقابها علامةً بارزةً وآيةً واضحةً عليها، ولعرفها عمر من بين سائر النساء المؤمنات من وجهها، ولما خفيت عليه ولا على غيره، ولما احتاج رضي الله عنه في تعرفه عليها أن يذكرها بقامتها وهيئتها .. ومما يؤكد هذا ويؤيده ما جاء في سياق الحديث من أن ذلك كان (بعد ما ضرب الحجاب) ، يعني بعد أن تعين النقاب لسائر المؤمنات بموجب قوله تعالى: (ونساء المؤمنين) .

يقول الشيخ أبو هشام الأنصاري: مقتضى هذا أن عمر لم يكن عرفها لكونها كاشفة الوجه، بل لطول قدها وهيئتها التي تميزها عن غيرها، وفي هذا الحديث دليل أيضًا على أن الحجاب لم يكن مختصًا بأمهات المؤمنين .. ولو كان الحجاب مختصًا بهن لكان أول دليل عليهن وأول فارق وأعظم هيئة تميزهن عن غيرهن، ولعرفهن عمر وكل أحد، ولعُرِفتْ أعيانُهن في معظم الأحيان.

وإنما دفع عمر إلى أن يقول ما قاله ويفعل ما فعله قبل وبعد نزول الأمر بالحجاب مع بعض نساء النبي r، ما عُرف به من شدة غيرته عليهن بالذات، وشدة نفرة قلبه من اطلاع أجانبٍ على حريم النبي ، حتى ورد عنه في سبب نزول الحجاب قوله: (لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين) ، وقوله لرسول الله وقد مر بنا: (يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) ، وفي رواية: (فلو حجبتهن) ، وكان يود أن ينزل في ذلك قرآنًا، ثم لما نزل الأمر بالحجاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت