وتسترن بالثياب \"كانت أشخاصهن ربما تتميز، ولهذا قال عمر لسودة في المرة الثانية بعد نزول الحجاب: (أما والله لا تخفين علينا) ، ثم اتخذت الكنف في البيوت فتسترن بها كما في حديث عائشة في قصة الإفك فإن فيها: (وذلك قبل أن تتخذ الكنف) \".
ولا ينبغي أن يفهم مما سبق أن غيرة عمر كانت قاصرة على أمهات المؤمنين فحسب، على ما قد يفهم هنا من حديث سودة ومن خبره في سبب نزول آية الحجاب .. فقد مر بنا ما فعله وما كان منه من غيرة على زوجه بل وعلى كل عرض مسلمة، وحسبنا أن نذكر من هذا ما أورده الحافظ ابن حجر في الفتح 3/ 561 قال: روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلًا معهن فضربه بالدرة .. والكلام عن عمر رضوان الله عليه في ذلك لا ينتهي، وحسبنا منه ما ذكرنا.
الدليل التاسع
علة آية الحجاب ووجه دلالتها على فرضية النقاب وتعميمه
على أن ما جاء في آية الحجاب من علة الطهر والحفاظ على كيان وأفراد المجتمع الإسلامي، هو في حد ذاته دلالة وحجة على القول بفرضية النقاب على سائر من يصلح لهن الخطاب، ووجه ذلك هو اشتراكهن جميعًا في علة الحكم وهي قوله تعالى: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) .. والاحتجاج بالعلة في مثل هذا، يُطلِق عليه علماء الأصول (دلالة النص) ، ويعنون به: دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه لاشتراكهما في علة الحكم التي يمكن فهمها بمجرد فهم اللغة، من غير احتياج إلى نظر واجتهاد .. وتسمى هذه الدلالة (فحوى الخطاب) كما تسمى عند الجمهور (مفهوم الموافقة) ، أما وجه تسمية هذه الدلالة بـ (فحوى الخطاب) فلأنها تبين مقصده ومرماه من غير احتياج إلى نظر واستدلال، وأما وجه تسميتها بـ (مفهوم الموافقة) فذلك لموافقة حكم المسكوت عنه، الحكم المنطوق.
ومحصلته أن علة أن يكون السؤال من وراء حجاب: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) واستلزام هذه العلة ستر وجوههن وارتداء ما يحجب نظر الرجال عنهن بنحو التبرقع والتنقب .. قد أشركت نساء المؤمنين مع نساء النبي ، إذ لا يتصور من عاقل أن يقول: إن غير أزواج النبي لسن بحاجة إلى تزكية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن .. وعموم علة الحجاب وحكمته، دليل على عموم حكم الحجاب لجميع نساء المؤمنين .. وكون عامة النساء لا تقل احتياجًا - لتحقيق هذه العلة في أنفسهن ولتنفيذ ما أمرن به من إدناء في صريح قوله (ونساء المؤمنين) - من نساء النبي ، أمر لا يختلف عليه اثنان .. وبخاصة أن علة آية الإدناء، وهي ألا يعرفهن أحد من الرجال، مُقرِّرَةٌ ومؤدية ومستلزمة للطهارة التي هي علة آية الحجاب.
وعليه فلا فرق بين تنفيذ هذه العلة القاضية والداعية إلى الطهارة، وإعمالها وتعميمها والتعويل عليها، وبين نظيرتها - أعني: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) التي أشركت صراحة نساء المؤمنين مع زوجات النبي .. وفي شأن ذلك يقول الإمام الشوكاني في تفسيره 4/ 298: \"اسم الإشارة - (ذلكم) - مبتدأ، وخبره (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ، أي أكثر تطهيرًا لها من الريبة وخواطر السوء التي تعرض لكل مؤمن، وتحذيرًا له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له، ومن المكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه\".. ويقول الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (حراسة الفضيلة) ص 47:
\"قول الله تعالى في آية الحجاب (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ، علةٌ لفرض الحجاب في قوله: (فاسألوهن من وراء حجاب) ، بمسلك الإيماء والتنبيه، وحكم العلة عام لمعلولها هنا، لأن طهارة قلوب الرجال والنساء وسلامتها من الريبة، مطلوبة من جميع المسلمين، فصار فرض الحجاب على نساء المؤمنين من باب الأولى من فرضه على أمهات المؤمنين وهن الطاهرات المبرآت من كل عيب ونقيصة رضي الله عنهن، فاتضح أن فرض الحجاب حكم عام على جميع النساء لا خاص بأزواج النبي ، لأن عموم علة الحكم دليل على عموم الحكم فيه، وهل يقول مسلم: إن هذه العلة: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) غير مرادة من أحد من المؤمنين؟ \"
فانظر كيف وجه علماء المسلمين العلة وجعلوها أدل وألزم بطريق الأولى، بحق سائر نساء المؤمنين .. ولا دلالة لما ذكروه، سوى لزوم ووجوب ما يترتب على هذه العلة من حجب النساء لوجوههن، لكون علة الطهارة - في زماننا كما في سائر الأزمنة، وفي حق نساء المؤمنين كما في حق زوجاته عليه السلام - الغاية في الأدب والكرامة والعفة والاحترام والوقار والاحتشام، ويا لها من علة جامعة مانعة!!، فقد جمعت في طياتها من سد الذرائع وغلق أبواب الفتنة ما لا يعلم مداه إلا الله!!.
والعقل وحديث النفس يشهدان أن المرأة إذا خرجت سافرة عن صفحة وجهها، بادية الخدين والعينين، عارية المرسن والمبسم، كثيرًا وعادة وغالبًا ما يلتقي نظرها بنظر أحد من الرجال، ومعروف أن التقاء النظرين يحدث انجذابًا في القلبين قلما يصبر أحدهما بسببه عن الآخر، فيحدث أن يقع كل منهما فريسة لصاحبه بسهولة ويسر تامين، ولا أحد ينكر أن مجتمعاتنا في هذا الزمان وجامعاتنا ومعاهدنا وسائر مدارسنا في بلاد المسلمين، يعاني من كل هذا وبسبب الاختلاط، الأمرين .. ومن هنا ورد عنه فيما رواه أحمد في مسنده أن: (النظرة سهم من سهام إبليس مسموم) ، وقال الشاعر:
كل الحوادث مبداها من النظر * ومعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها * في أعين العِين موقوف على الخطر
كم نظرة فعلت في قلب فاعلها * فعل السهام بلا قوس ولا وطر
يسر ناظره ما ضر خاطره * لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
وقال آخر:
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له * وهن أضعف خلق الله إنسانا
وليست هذه المفاسد الناتجة عن السفور متخيلة أو مفترضة، بل قد ابتلي بها المجتمع البشري في العالم كله، وثاب إلى رشده منها كثير ممن قدَّر خطورتها وبان له مدى فسادها، وهذه صحفية أمريكية تقول ناصحة ومعترفة:
\"إن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة صالحة ونافعة، لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، امنعوا الاختلاط، قيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحة وانطلاق ومجون أوربا وأمريكا\"..