الصفحة 21 من 87

تقول: \"لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعًا معقدًا مليئًا بكل صور الإباحية والخلاعة، وإن ضحايا الاختلاط والحرية يملئون السجون والأرصفة والبارات والبيوت السرية، إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا قد جعلت منهن عصابات للمخدرات والرقيق\".

على أن الآية - محل الاستشهاد - وما تضمنته من علة، قد أخذ بها جُل علماء الأمة وجعلوا منها دليلًا قويًا معتبرًا على فرضية النقاب بحق نساء المؤمنين، يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في معنى الآية: \"وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا، فاسألوهن من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن، فإن سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب، (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيلًا\".

وقد سار على منواله غيره من قدامى المفسرين ومحدثيهم، ونذكر من أولئك على سبيل المثال من غير الإمام الشوكاني - وقد مر بنا نص عبارته - صاحب كتاب (فقه النظر في الإسلام) ، قال: \"ومن الأدلة على وجوب ستر الوجه واليدين من المرأة قوله سبحانه: (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن .. الأحزاب/ 53) \".. ثم عقب يقول: \"فلو لم يكن ستر الوجه أمرًا مطلوبًا لم يكن لطلب الحاجة من وراء حجاب أي معنى، وقد قرر الله عز وجل أن الحجاب أطهر لقلوب الجميع، فلا يقل أحد غير ما قال الله عز وجل\".. والشيخ سعيد الجابي قال: \"وإذا كانت نساء النبي المطهرات من السفاح، المحرمات علينا بالنكاح، الموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين، قد أمرن بالحجاب طهرة لقلوبهن وقلوب أبنائهن المحرم عليهم نكاحُهن، فما نقول في غيرهن المحللات لنا بالنكاح، المتطلِع لهن أهل السفاح، هل يجوز لهن أن يكن سافرات غير منتقبات! بارزات غير محجبات؟؟!! \".

ويقول صاحب (أضواء البيان) 6/ 584: \"إن تعليله تعالى لهذا الحكم - الذي هو إيجاب الحجاب - بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ، قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين: إن غير أزواج النبي لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعم معلولها .. وبما ذكرنا تعلم أن في هذه الآية الكريمة - كذا يقول - الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء لا خاص بأزواجه وإن كان أصل اللفظ خاصًا بهن، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلة - الذي دل على أن قوله تعالى: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) هو علة قوله: (فسألوهن من وراء حجاب) - هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وهو: (أن يقترن وصفٌ بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم، لكان الكلام معيبًا عند العارفين) .. وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًا بدلالة القرينة القرآنية، فاعلم أن الحجاب واجب - بدلالة القرآن - على جميع النساء\".

الدليل العاشر

عموم وتأخر نزول الأمر بغض البصر ووجه دلالتهما على فرضية النقاب

وإنما نعني بعموم الأمر بغض البصر شموله لكل من المؤمنين والمؤمنات وشموله لأبدان النساء وعدم قصره على وجوههن وأيديهن على نحو ما يرى البعض .. وقد يُتعجب من عدِّ ما جاء في قول الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون .. النور/ 30) ، واحدًا من أدلة فرض النقاب، إذ كيف يتأتى أن تكون الآية دليلًا على تغطية وجوه النساء مع أن غض البصر إنما يكون عن وجوههن المكشوفة .. وقد يُزاد العجب حين يُرى كبارُ الشيوخ يُصَدِّرون كتبهم القائلة بأن النقاب مجرد عادة، بآية الأمر بالغض هذه، بل ويتخذون منها دليلًا قويًا على تأكيد وتأييد ما جنحوا إليه من جواز كشف وجه المرأة، وعمدتهم في ذلك: أنه لا معنى لغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة.

ولكن سرعان ما يزول العجب، ويبطل معه - بالتالي - ما ترتب عليه من جعل الآية دليلًا على إباحة كشف وجه المرأة .. بمجرد أن نعرف أن الله تعالى حين أمر بغض البصر لم يقتصر أمره فيه على المؤمنين، وإنما خاطب بذلك أيضًا المؤمنات، فقال عقب الآية الماضية مباشرة: (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .. الآية 31 من سورة النور) .. وفي مشاركة المؤمنات المؤمنين بغض البصر، دلالة على أن الأمر بغض البصر لا يصلح أن ينصرف فقط إلى وجوه النساء وأيديهن، وإلا لو كان الأمر كذلك للزم منه وجوب تغطية الرجال على نحو ما هو الواجب على النساء، وهذا لا يقول به عاقل.

وسرعان ما يزول كذلك بمجرد أن ندرك أنه \"لا يمكن أن يتأتى الأمر من الله تعالى بغض البصر، مع إباحة كشف ما يجرُّ إلى النظر ويشيعه ويفشيه، وإنما يلائمه أمر النساء بالاحتشام والابتعاد عن اللباس الذي من شأنه لفت الانتباه وعطف البصر عليهن\".

وفي وجه مخاطبة الله المؤمنات بالغض من أبصارهن، قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكر الآية: \"هذا أمر من الله للنساء المؤمنات وغيرةً منه تعالى لأزواجهن - عباده المؤمنين - وتمييزًا لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات في اختلاط الرجال بالنساء، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا، وذهب آخرون إلى الجواز شريطة ألا يكون بشهوة\".. وأيًا ما كان، فإن العلة هي الحفاظ على المجتمع الإيماني بغض بصر كلٍّ من أفراده عن جميع ما حرم الله، وتمييز هذا المجتمع - بمثل هذه الفضيلة - عن المجتمع الجاهلي .. وإلا فهل يتسنى لعاقل أن يلفظ بما استلزمته عبارة الشاغبين وأن يقول - بطريق القياس - ما قالوه بحق غض بصر المؤمنين: (إنه لا معنى لغض بصر النساء عن الرجال إذا لم تكن وجوه الرجال مكشوفة) ، فيلزم من قوله وجوب تغطية الرجال على نحو ما هو الواجب على النساء؟؟!!.

كما يزول العجب حين نعلم أن الأمر بغض البصر على نحو ما شمل عموم المؤمنين والمؤمنات، فقد شمل بحق المؤمنين كل ما حرم الله النظر إليه من المؤمنات بما في ذلك الوجه والكفين .. فهو لذلك لا يستلزم جواز كشف وجوه النساء وأيديهن أمام الأجانب، لكونه أمرًا عامًا بالغض عن كل ما حرم الله النظر إليه حتى ولو إلى المنتقبة .. وقد فطن لهذا المعنى الحافظ ابن كثير فراح يقول: \"هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عما حُرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحَرَّم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: (سألت النبي عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) \".. كذا دون أن يجعل الغض قاصرًا على وجوه النساء وأيديهن، أو مستلزمًا لجواز كشف وجوه النساء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت