وأيديهن حتى عند أمن الفتنة، كما فهم ذلك كلُّ من جعل الاستثناء في (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفين، أو من استدل بآية غض البصر على عدم وجوب تغطية الوجه بحجة أن لا معنى لغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة.
يؤيد هذا ويشد من أزره، \"أن الأمر بغض البصر الوارد في سورة النور التي نزلت في السنة السادسة، جاء متأخرًا عن الأمر بالحجاب والإدناء لسائر نساء المؤمنين، وقد جاء الأمر بهما في سورة الأحزاب المعروف عنها أنها نزلت في السنة الخامسة .. بينا الأمر بغض البصر - الوارد ذكره في الآية محل الاستشهاد - جاء بعد عام من شيوع الحجاب القاضي بتغطية الوجوه وامتثال المجتمع الإسلامي للأمر به حتى صار هو القاعدة، ويتضح مِن ثمَّ، أن استنباط البعض من الأمر بغض البصر أن وجوه النساء كانت سافرة غير صحيح، بدليل أن الأمر بالحجاب نزل أولًا وامتثله نساء المؤمنين، ثم نزل في السنة التي تليها الأمر بغض البصر\".
وهذا، يؤكده ويحمل عليه، قول وفعل الصحابيات المهاجرات والأنصاريات بعد نزول آيتي الحجاب والإدناء .. \"ومما يوضح أن الحُسْنَ المستوجب غض البصر قد يعرف حتى مع الاحتجاب الكامل، قول الشاعر:"
طافت أمامةُ بالركبان آونةً * يا حُسنَها من قوام مَّا ومنتقبا
فقد بالغ في وصف حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا، وهو يصفها بهذا الحسن أيضًا مع كونها منتقبة .. ومن ثم قال العلماء: إنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى بدن المرأة نظر شهوة ولو كانت مستورة، لأن ذلك مادة للافتتان بها كما لا يخفى، ولوقوعه فيما سماه النبي: (زنا العين) ، حيث قال عليه السلام: (والعينان تزنيان وزناهما النظر) \".. \"ويستفاد من هذا أن مِن حِفظ حرمة المرأة المحجبة، غضَّ البصر عنها وإن تنقبت، خاصة وأن جمالها قد يعرف، وقد ينظر إليه وهي مختمرة وذلك لمعرفة قوامها أو نحوه\"."
ثم إن الأمر بغض البصر كان بالمدينة، وكان في زمن تنزيلها نساء اليهود والسبايا والإماء ونحوهن، وربما بقي النساء غير المسلمات في المجتمع الإسلامي سافرات كاشفات الوجوه، فجاء - من ثم - أمر الله المسلمين بغض البصر عنهن .. يدل على ذلك ما رواه البخاري في كتاب الاستئذان، فقد أخرج عن سعيد بن أبي الحسن أنه قال للحسن: إن العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن؟ قال: (اصرف بصرك عنهن) ، ثم تلا قول الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) ، قال قتادة: عما لا يحل لهم؟؟!!.
ولعله ومن خلال ما سبق يكون قد ظهر بوضوح وجه دلالة آية غض البصر على فرضية النقاب .. ووضح كذلك أنه ليس من مقتضيات الأمر بغض البصر أن تكون المرأة مكشوفة الوجه واليدين، ولا أن يتعمد الرجل وقوع بصره عليها لو كانت ساترة لهما، أو أن يسمح لنفسه أن يتعدى أو يتمادى فيما لا تقتضي الضرورة كشفه منها .. وليس من مقتضياته كذلك أنه يجوز للمرأة المسلمة كشف وجهها طالما أن ذلك لم يكن لعذر ولا لحاجة ولا لمصلحة، ولا أن تتخذ من إلزام الشارع الحكيم للمؤمن بغض بصره عنها ذريعة لكشف زينتها، وإلا انقلب الأمر لديها من مجرد ظهورٍ صَدَر عنها من غير قصد أو وقع منها بطريق الخطأ، إلى تعمد إظهارٍ منها لذلك، ومن نظرة فجاءة بحق الرجل لما لا يجوز النظر إليه إلى نظرة تعمد يأثم بفعلها، ويحاسب عليها بالقصد إليها .. وليس من مقتضياته أن يُسمح لعالم - مهما أوتي حظًا من العلم والفقه والمنصب - أن ينتهك حرمة فتاة فيلزمها بنزع نقابها قهرًا وهي بين رجال، حتى ولو كان يرى أن جمهور الفقهاء على عدم وجوب ستر وجه المرأة ويديها، فإن هذا يعني مصادرة لقول القائلين بغير ذلك وإكراهًا لها على تجنب أمر أوجبه الشارع الحكيم .. ولا لولي أمر أن ينتهك حرية المرأة الشخصية في أن تلبس ما تريد، تاركًا المتبرجات والسافرات يفسدن في المجتمع كيف يشئن، ويعثين في الأرض فسادًا، وإلا كان ذلك إنكارًا لمعروف وأمرًا بمنكر.
كما أنه ليس من مقتضيات الأمر بغض البصر، أن يحتج محتج بما سبق من النصوص لإطلاق البصر ولو مع غير المسلمة، لأن دلالة الحال تمنع ذلك، فالأمر بالحجاب لم يتوجه منذ اللحظة الأولى إلا للمؤمنين والمؤمنات، لأنهم جميعًا - وهم أهل الإيمان وأمة التوحيد - مظنة الاستجابة لأمر الله القائل في محكم التنزيل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم .. الأحزاب/ 36) ، (إنما كان قول المؤمنين إذ دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا .. النور/ 51) ، (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .. الأحزاب/ 59) ، (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) ، وقال: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن .. النور/ 30، 31) ، فهو لم يوجه خطابه في كل ما سبق لنساء المدينة ولا لرجالها، إذ فيها من فيها من اليهود ومن أهل الشرك والنفاق .. والقرآن اليوم يخاطبنا كما خاطب الرسول وأصحابه من قبل، ونحن اليوم لا نطالب بأوامر الله وأوامر رسوله r الكوافر والفواسق وإنما نخاطب المؤمنين والمؤمنات.
ولا دلالة لكل ما سبق ذكره، سوى أن الأمر بغض البصر عام لكل ما حرم الله من النساء، ولو كان النظر إلى أثوابهن، طالما أدى ذلك إلى الافتتان بهن، وكذلك الأمر بالنسبة للرجال .. كما لا دلالة له سوى أن الأمر بغض المؤمنين أبصارهم لا يستلزم - بطريق الأولى - ولا يعني جواز كشف وجوه النساء وأيديهن أمام الأجانب، ولا أن يتمادى الرجل في النظر إلى شيء من ذلك حتى لدى القائلين بأنها ليست بعورة، ولا أن يحتج بآيتي غض البصر على جوازه، وذلك - على الأقل - لعدم أمن الفتنة.
الدليل الحادي عشر
حديث نظر الفجاءة في ضوء ما جاء في آية غض البصر، ووجه دلالته على وجوب النقاب
وحديث نظر الفُجاءة أورده مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: (سألت رسول الله عن نظر الفُجَاءة، فأمرني أن أصرف بصري) .. وإسلام جرير جاء متأخرًا، وتحديدًا سنة عشر من الهجرة يعني بعد نزول آية الإدناء التي عمت - في أمرها بحجب الوجه - جميع نساء المؤمنين .. وعليه فيبطل ما استنبطه دعاة سفور الوجه وما ادعوه من لزوم أن يكون صرف وغض أبصار الرجال قاصرًا على وجوه النساء وأيديهن، ويثبت أن الغض المأمور به عامٌّ - على ما أفاده ابن كثير في كلامه بالدليل الفائت - لكل ما حرَّم الله النظر إليه منهن.
وهذا ما جعل أهل العلم من المحققين يستنبطون من هذا الحديث: أن نساء المؤمنين في زمن رسول الله كُنَّ يستترن عن الرجال الأجانب ويغطين وجوههن عنهم، وأن وقوع النظر عليهن إنما كان على بغتة وفي بعض الأحيان، وإلا -