الصفحة 23 من 87

وهذا هو وجه دلالة الحديث على وجوب النقاب - لو كان الأمر على غير ذلك وكن يكشفن وجوههن للرجال الأجانب بعد ما ذكرنا من ورود الحديث عقب فرض النقاب، لكان سؤال جرير عن نظر الفجاءة لغوًا لا معنى له، وعبثًا لا فائدة من ورائه، ولكان في صرف النظر عنهن مشقة عظيمة ولاسيما إذا كثرت النساء حول الرجل، لأنه إذا صرف بصره عن واحدة فلا بد أن ينظر إلى أخرى أو أكثر، وأما إذا كن يغطين وجوههن - كما يفيده ظاهر الحديث - فإنه لا يبقى على الناظر مشقة في صرف النظر، لأن ذلك إنما يكون بغتة ولا يكون دومًا، وهذا ما يفيده منطوق الحديث ومفهومه.

وابتناء على ما سبق، فإنه لا يحق لأحد أن يشغب بحديث جرير هو الآخر أو يثير حوله الشبه، فيَستدل به على إباحة السفور عن وجه المرأة، بزعم دلالة نصه على إمكان وقوع نظر الرجل على الأجنبيات، أو بحجة أنه لا معنى لغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة .. أو يَستدل به على جواز أن تترخص المرأة المنتقبة فتسوغ لنفسها - بحجة أنها قد أمنت من نظر الفجاءة ومن نظر الرجال إليها - الخروج بغير حاجة أو التزين لذلك، أو مخالطة الرجال في عمل أو طلب علم.

لأن الاستدلال الأول يرد عليه ما يرد على آية غض البصر مما سبق توضيحه، من أنه لا يلزم من الأمر فيه بصرف النظر أن تكون المرأة مكشوفة الوجه واليدين لاحتمال أن يكون ذلك من غير تعمد إظهار، فلا تأثم ويأثم هو لو أتبعها بأخرى .. كما لا يلزم من الأمر بصرف نظر الفجاءة إساغة أن تسفر المرأة عن وجهها لاحتمال أن يكون كشف ما سأل عنه جرير كان من غير المؤمنة أو ممن ليس بواجب بحقهن وجوبه بحق غيرهن كالإماء والسبايا، أو كان عن مؤمنة لعذر أو لمصلحة شرعية كضرورة أو تلبس بصلاة أو إحرام، فيأثم لو تمادى .. ويستأنس لهذا ولحديث جرير بحديث عليّ، وقوله له: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) ، وبالحديث الصحيح: (إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال:(إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه، قالوا وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .. إذ الحديث الأول - ويقاس عليه الثاني - نص في المؤاخذة على النظرة الثانية للمرأة.

كما أنه لا معنى لأن ينهى النبي عليًا أو غيره من الصحابة عما يَتبعُ نظرة الفجاءة للوجه، ثم يطلقها فيما سوى ذلك، فيسوغ النظر إلى وجهها مرة ثانية لغير عذر شرعي، أو يسوغه لما عدا وجهها من سائر بدنها ومفاتنها وزينة ثيابها، وحاشاه r أن يقصد إلى هذا، وحاشا صحابته رضي الله عنهم أن يفهموا منه ذلك .. كما أنه لا يتصور أن يسوغ النبي للنساء أن يكشفن وجوههن، وتكون علة ما احتاط لهن - بأمره بصرف النظر عنهن وبنهيه عما نهى عنه من اتباع النظرة النظرة - كون وجوههن مظنة وقوع أبصار الرجال عليها، إذ ليس ثمة ما يمنع أن يكون النهي ليس عن النظر لوجه المرأة، وإنما عن النظر عما يزين المرأة من الثياب، وقد قال بذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

= ولا عجب في كل ما ذكرنا آنفًا، إذ من الأمور الملموسة والملحوظة، أنه كثيرًا ما تكشف المرأة وجهها وكفيها ظنًا منها أنها بمأمن من نظر الأجانب، أو ظنًا منها أن لا أحد منهم يدير باله من رؤيتها بينما تكون هي بمرأى منه وإن كانت هي لا تعرف بذلك ولا تحس به .. وكأن تمر مثلًا في طريق خالية من الرجال فترفع نقابها وثمة رجل عند شباك غرفته أو فوق سقف بيته أو يكون في جانب أو ناحية تمكنه من أن يراها هو دون أن تراه، فهل يسوغ مع أيٍّ مما سبق أن يمعن الرجل بصره إلى وجهها بزعم أن له الأولى؟ .. وقد ينكشف شيء من بدن المرأة بدون تعمد فيقع النظر الذي أمر الرجل بغض بصره عنه، كأن يتعرى بعض أعضائها من غير خيار منها أو من غير أن تشعر هي بانكشافه بأن تستقل مثلًا وسيلة مواصلات فيبدو شيئًا من رجلها أو ساقها من دون قصد منها إلى ذلك، فهل لها أن تتمادى هي بعد أن أحست به في بقائها على حالها دون ما سعي منها إلى أن تستر نفسها وتحجب وجهها عن أعين الأجانب من الرجال؟؟!!.

وإن من المعلوم بالمشاهدة أن اللواتي يبالغن في التحجب والاستتار - ناهيك عن غيرهن - مهما تحفظن وبالغن في التخفي عن الرجال، يعرض لهن ما يبدو بسببه شيء من أطرافهن عن غير عمد، فكم من امرأة تحرك الريح ثيابها أو تقع فيسقط الخمار عن وجهها فيراها بعض الناس على تلك الحال .. وكثيرًا ما يصادف الرجل المرأة وهي غافلة، فيرى وجهها أو شيئًا من أطرافها .. فكان أمر الله ورسوله بغض البصر من قِبل الرجال لأجل هذا، والعكس .. ومما شهد بأن هذا كان يقع في الزمن الأول ولا يزال، قول النابغة الذبياني:

سقط النَّصيفُ ولم تُرد إسقاطه * فتناولته، واتقتنا باليد

أي تناولته بيدٍ واتقتنا تستر وجهها باليد الأخرى .. ومن هنا قال الله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ، ولم يقل (إلا ما أظهرنه) لأن (أظهر) فيه معنى التعمد، فعليها في تعمد ذلك والقصد إليه حرج وإثم، بخلاف (ظهر) فإنها تعني - كما سبق بيانه - أن ذلك يقع منها من غير تعمد ولذا كان من المعفو عنه .. وقد يقع نظر الفُجاءة للرجل، لمقصد شرعي من قِبَل المرأة يستدعي بموجب ما شرع الله لها، أن تكشف وجهها ويديها ظنًا منها أنها بمأمن من أعين الرجال، كأن يقع نظره - كما قلنا - على امرأة مُحْرِمة مثلًا أو متلبسة بصلاة دون ما تعمدٍ من أيٍّ .. إنه لا سبيل أمام هذه الصور إذن وما كان على مثالها من أن يؤمر الرجل بغض البصر، امتثالًا لأمر النبي r ولقوله: (اصرف بصرك) ، وامتثالًا لأمر الله تعالى ولقوله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون .. النور/ 30) ، ولاسيما مع ما ذيلت به الآية الكريمة.

بل إن نظر الفجاءة كثيرًا ما يقع أحيانًا من أحدنا عفوًا، بأن يبتلى بمن لا تلتزم من النساء بشرع الله فيسقط نظره على من لا ترتدي من العاصيات ما يجب عليها ارتداؤه من لباس التقوى، لاجترائها على انتهاك حرمات الله وأوامره فتتعمد كشف شيء من جسدها أو بمن ليست مكلفة في ديننا بواجبات شرعنا الحنيف بأن تكون غير مسلمة، وهذا مما عمت به البلوى في كل زمان ومكان حتى في زمن التنزيل فقد كان في مدينته نساء اليهود والسبايا والإماء.

إن هذا كله، لا يعني سوى أن اعتبار أمر الله تعالى وأمر رسوله r المؤمنين بغض الأبصار دليلٌ على أن وجوه المسلمات كانت مكشوفة للأجانب، مجرد وهم وظن .. وآية ردهما أن الأمر بغض البصر جاء بعد الأمر بالحجاب، ويشهد بذلك ترتيب الآي المختصة بذلك حسب نزولها، فقد نزل قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى .. الأحزاب/ 33) ، وقوله: (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب .. الأحزاب/ 53) ، وقوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن .. الأحزاب/ 59) ، في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وشاع الحجاب بعدها في المجتمع الإسلامي بعد نزول هذه الآيات وامتثلته نساء المؤمنين على نحو ما رأينا في أحاديث نساء المهاجرين والأنصار حتى صار هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت