الصفحة 24 من 87

القاعدة، وكان ذلك قبل نزول الأمر بغض البصر الذي نزل في سورة النور - على ما أفاده العيني في عمدة القاري20/ 223 وغيره من أهل العلم - في السنة السادسة من الهجرة يعني في السنة التي تليها، فكيف يستقيم - مع هذا - ما يشغب به الشاغبون.

والسؤال الآن: هل يسوغ للمسلم الوَرِع - فيما سبق ذكره من صور في هذا الدليل والدليل الذي قبله - أن يطلق بصره ويوقعه على ما لا يحل له ممن طولبن بستر وجوههن من المسلمات وممن لم يطالبن به من غير المسلمات؟ .. وهل يتسنى لواحد من العامة فضلًا أن يكون من الخاصة لأن يقول - مع ما سبق ذكره -: \"إن غض البصر يكون عند مطالعة الوجوه، فإذا كانت مغطاة، فمما يغض المؤمنون أبصارهم؟! \".. أو لأن يتساءل في استهزاء: \"أيغضونها عن القفا والظهر؟! \".. أو لأن يخلص من الحديث والآي الآمرة بغض البصر (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) ، (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) إلى أن \"النقاب عادة ولا صلة له بالعبادة\"، بدعوى أن \"جمهور الفقهاء على أن المراد بـ (ما ظهر منها) : الوجه والكفان\"، وأنه \"أولى الأقوال في ذلك بالصواب\".. أو لأن يقول: إن هذا \"هو الذي عليه العمل والفتوى\"، وأن أمر النقاب إذا اتخذ \"علامة على التفريق بين الأمة أو شعارًا للتعبد والتدين .. فإنه يخرج من حكم الندب أو الإباحة إلى البدعية\"؟؟!!.

وهب أنا سلمنا بصحة قول القائل: إن \"جمهور الفقهاء على أن المراد بـ (ما ظهر منها) : الوجه والكفان\"، وأنه \"أولى الأقوال في ذلك بالصواب\"، وإنه بناء على قول الجمهور لا يجب على المرأة أن تستر وجهها أو إنها غير مأمورة بالنقاب لكونه عادة .. وأضفنا لما سبق أن علة حجاب المرأة في الأساس هو درء الافتتان بها، لقوله (ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء) ، وأن من لم يفتِ من فقهاء المذاهب بأن وجه وكف المرأة عورة، أفتى بوجوب ستره لخوف الفتنة ودرئها.

أفلا نكون بذلك قد وصلنا إلى كلمة سواء لأنه لا أحد يستطيع أن يفتي في زماننا بأمن الفتنة أو ينكر فساد الزمان .. ونكون بذلك أيضًا قد وقفنا على العلة ووضح لنا يقينًا أن النظر إلى الوجه المكشوف حرام شرعًا، وتبين لنا بالتالي ترجيح رأي من قال بستر المرأة وجهها، وتبين لنا مع ذلك جواب تساؤلهم عن معنى الأمر بغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة؟؟!!.

الدليل الثاني عشر

النهي عن إبداء المرأة زينتها (إلا ما ظهر منها) ، يعني: من غير تعمد إبداء

ومما أفاد فرضية النقاب في قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن .. الآية 31 من سورة النور) - وقد نزلت فيما ترجح لدى أهل التحقيق بعد آيات سورة الأحزاب -:

ما جاء في قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ، فقد صح عن ابن مسعود تفسير (الزينة) : بـ (الثياب الظاهرة من المرأة) ، وقد أخرجه الطبري بإسنادين هما في غاية الصحة، كما أورده ابن كثير في تفسيره، وكذا الجصاص وابن العربي في (أحكام القرآن) والرازي والقرطبي والخازن وأبو حيان وأصحاب (مجمع البيان) و (الدر المنثور) و (فتح القدير) و (روح المعاني) .. وهو - على حد ما ذكر القاضي أبو يعلى فيما نقله عنه ابن الجوزي في زاد المسير 6/ 31 - \"أشبه، وقد نص عليه أحمد فقال: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر\".. وهو كذلك \"أحوط الأقوال وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها، ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها كما هو معلوم .. والجاري على قواعد الشرع الكريم، هو: تمام المحافظة والابتعاد عن الوقوع فيما لا ينبغي\".. والذي به قال: عبيدة السلماني وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغيرهم.

كما صح عن ابن عباس تفسيرها به كذلك، وقد مر بنا قوله بعد ذكره لآية الإدناء: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة) ، وقوله في كيفيته: (تلوي الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه) ، وقوله كذلك: (أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها) .

أما ما راج وأشيع عنه من أنه كان يرى الزينة الظاهرة المسموح بإبدائها للأجانب: (الكحل والخاتم) ، أو: موضعيهما (الوجه والكف) ، وهما روايتا سعيد بن جبير .. فقد أورد أولاهما الطبري في تفسيره 18/ 93 و\"إسنادها ضعيف جدًا، بل هو منكر\"، قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال 4/ 106 إبان ترجمته لمسلم بن كيسان وهو من جاءت عنه هذه الرواية: \"قال الفلاس: (متروك الحديث) ، وقال أحمد: (لا يُكتب حديثه) ، وقال يحيى: (ليس بثقة) ، وقال البخاري: (يتكلمون عنه) .. وقال النسائي: (متروك الحديث) \".

وأورد ثانيتَهما الطبري كذلك والبيهقي في السنن الكبرى2/ 225، 7/ 852 ولا تخلو هي الأخرى من ضعف، \"قال البهوتي في كشف القناع1/ 243: (قال ابن عباس وعائشة: وجهها وكفيها، رواه البيهقي وفيه ضعف) \".. وقال إسماعيل المقدم: \"إسناده مظلم ضعيف لضعف راويين:"

أولهما: أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال 1/ 112، 113: (ضعفه غير واحد) ، قال ابن عدي: (رأيتهم مجمعين على ضعفه .. لأنه لم يلق الذين يحدث عنهم) ، وقال ابن معين: (كان يكذب) ، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي) ، وقال ابنه عبد الرحمن: (كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لمَّا تكلم الناس فيه) ، وقال ابن عدي: (كان ابن عقدة لا يحدِّث عنه) .. وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب1/ 19: (ضعيف) .

وثانيهما: عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، قال الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال2/ 503: ضعفه ابن معين)، وقال أبو حاتم: (ليس بالقوي) ، وقال ابن المديني: (ضعيف) ، كما ضعفه النسائي، وقال عنه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب1/ 450: (ضعيف) \"، وثمة أسانيد أخرى لا تقل درجة نكارتها وضعفها عن سالفيها، الأمر الذي يوشك المرء أن يجزم بعدم صحة نسبة هذه الأقوال إلى ابن عباس رضي الله عنهما."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت