الصفحة 25 من 87

ولكن ثمة رواية جاءت عنه واعتبرها البعض، وفيها: أن (ما ظهر منها: الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم) ، وقد أوردها الطبري أيضًا، ونقلها عنه السيوطي في الدر المنثور5/ 42، وهي وإن كان رجالها ثقات إلا أنها منقطعة، لأن فيها عليَّ بن أبي طلحة لم يلق ابن عباس والواسطة بينهما مجاهد، إلا أن أئمة معتبرين كالقاسمي والقرطبي وابن كثير في تفسيرهم للآية استأنسوا بها، كما ذكرها البخاري في مواضع عديدة في التفسير معلقة وإن لم تكن على شرطه.

وهذا يجعلنا نفترض صحتها، ويجعلنا نقول: إنه على افتراض صحة ما جاء في هذا عن ابن عباس أو حتى عن غيره من القائلين بقوله ومن غير ما ذكر من الطرق - وهو أمر كما سيأتي وارد - فجوابه: أن ذلك قاله في بداية الأمر وقبل نزول آية الحجاب، يقول العلامة المحقق ابن تيمية في مجموع الفتاوى22/ 110وفتاوى النساء ص 28: \"السلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم\"، قال: \"وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين، زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما الباطنة: فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم، وقبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي زينب بنت جحش رضي الله عنها، فأرخى النبي السِّتر ومنع أنسًا أن ينظر .. ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر، قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها."

فلما أمر الله أن لا يُسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن - والجلباب: هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: الرداء، وتسميه العامة: الإزار، هو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب - فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيحين: (إن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين) ، فإذا كن مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهر للأجانب .. فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين\".. وهذا هو الحق الذي يجب أن يصار إليه، ذلك أن الجمع بين قولي الصحابيين أولى."

أولًا: لصدوره عمن ذكرنا من العلماء المعتبرين من نحو القاسمي والبخاري وابن كثير ممن استأنسوا برأي ابن عباس، ولوروده كذلك عن ابن عباس بطريق قوي، هو - من غير ما سبق - ما رواه أبو داود في كتاب المسائل من قوله رضي الله عنهما: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به) ، ولما صح في مصنف ابن أبي شيبة 4/ 283 من قوله في (إلا ما ظهر منها) : (الكف ورقعة الوجه) ، إلى غير ذلك مما احتمل صحته وكان جواب ابن تيمية ردًّا عليه .. وهذا أولى من إصدار الحكم على كل ما ورد عنه في هذا الصدد بالضعف.

ثانيًا: لاحتمال تراجع ابن عباس عن قوله الأول بعد نزول آية الحجاب، ولا يصح والحال كذلك أن يعد هذا منه أحد قوليه .. ويدل على أن عموم عبارة ابن عباس شملت المرحلتين أو الأمرين معًا وأن الأخير منهما كان رجوعًا منه عما قبله، أن علي ابن أبي طلحة الذي روى عنه قوله: (ما ظهر منها: الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم) ، هو عينه الذي روى عنه قوله: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن ويبدين عينًا واحدة) ، إذ لا معنى لأن يروي عنه الشيء ونقيضه، إلا أن يكون ابن عباس قد رجع فيما بعد عما قاله أولًا، وذلك بعد نزول آية الحجاب التي نسخت ما كان عليه أمر الحجاب في مرحلة ما قبل ذلك.

وقد تقدم كيف أن قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) لم يستثن أحدًا، وأنها آية محكمة تغير على إثرها أوضاع الصحابيات وما كن عليه من حال إلى حال، فوجب الأخذ بها والتعويل بل وحمل ما سواها عليها، وبيان أن الحكم فيها عام في نساء النبي وغيرهن من نساء المؤمنين، لاسيما وقد تقدم أيضًا من سورة النور ما يرشد إلى ذلك.

ولعل هذا ما عناه القرطبي حين ذكر في المفهم - إبان ذكره قصة سودة مع عمر الفاروق بشأن سبب نزول الحجاب - أن \"الكلُّ - يعني من ذهبوا إلى أن المراد من قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) الثياب، ومن ذهبوا إلى أنه ما لا يمكن ستره عادة وهما الكحل والخاتم - محجوجون: على أن المستثنى: هو ما يتعذر ستره إما عادة، وإما عبادة، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره؛ قول الله تعالى بعدها: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن .. النور/ 31) ، وقوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين .. الأحزاب/ 59) \".

ثالثًا: أن ابن عباس - وهذا ما يقتضي الإنصاف قوله - لم يفتِ بجواز كشف الوجه واليدين مطلقًا - بل ولا يتأتى منه هذا على الإطلاق وقد علمنا أمر تأخر نزول هذه الآية عن آية الإدناء - وإنما أفتي بجواز كشفهما عند من دخل عليها في البيت، ونص عبارته في رواية (علي بن أبي طلحة) المعوَّل عليها وقد أوردها له الإمام الطبري إمام المفسرين، وعليها يحمل ما جاء منها مطلقًا، قال: \"الزينة الظاهرة: الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل من الناس عليها\"أهـ .. ولا معنى لمراده بالداخل في البيت، سوى أن يكون من أقاربها ممن ليس بمحرم لها مثل أبناء عمها وعمتها وخالها وخالتها وأحمائها، فهؤلاء الذين يكثر دخولهم في البيت يرى ابن عباس في التستر عنهم مشقة وحرجًا، ويستنبط جواز كشف الوجه والكفين أمامهم من قوله: (إلا ما ظهر منها) ، فكأن المرأة ليست هي التي أبدت الزينة أمامهم، بل المشقة هي التي أظهرتها.

فتقييد الجواز بالبيت - الذي يجب حمل عبارات الإطلاق التي وردت عن ابن عباس رضي الله عنهما - يفيد أنه يرى أن اشتغال المرأة بمهنتها في بيتها، هو من الحوائج التي تبيح لها إظهار وجهها وكفيها وكشف ما لم يجز كشفه في عامة الأحوال .. فانظر أين قوله هذا من الذين يميلون إلى السفور وممن يحملون عبارة ابن عباس على غير وجهها من أصحاب الإلزامات الفقهية، ويزعمون في فتاواهم أنه رضي الله هو إمامهم في هذا.

ثم إن الذي ينبغي لفت الأنظار إليه هنا بحكم ألفاظ الآية - وهذا قريب مما سبقه ومتفرع عنه - أن الآية عبرت عما استثني بلفظ: (إلا ما ظهر منها) ولم يقل: (إلا ما أظهرن منها) فعدل عن تعدي الفعل، إلى اللزوم .. ولم يسنده إلى النساء على غرار ما جرى في قوله تعالى قبل ذلك مباشرة: (ولا يبدين زينتهن) ، ومقتضى هذا أن المرأة مأمورة بإخفاء الزينة مطلقًا وليست مخيرة في إبداء شيء منها، وأنها إذا التزمت وتقيدت به ثم ظهر من تلك الزينة شيء من غير أن تقصِّر وتفرِّط في الإخفاء، ومن غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت