الصفحة 26 من 87

أن تقصد وتتعمد الإبداء، فإنها لا تعاقب عليه ولا تؤاخذ به عند الله، هذا هو المفهوم من سياق هذه الآية، والذي يقتضيه نظم الكلام.

وفي تأكيد وتحقيق هذا المعنى يقول الشهاب في (عناية القاضي) 7/ 40: \"قوله: (إلا ما ظهر منها) ، أي: بلا إظهار، كأن كشفته الريح\".. ويقول أبو الأعلى المودودي في تفسيره سورة النور ص157: \"جملة (إلا ما ظهر منها) أي: إلا ما كان ظاهرًا لا يمكن إخفاؤه - يعني الثياب - أو هو ظهر بدون قصد الإظهار من هذه الزينة .. كأن يَخِفُ الرداء لهبوب الريح وتنكشف بعض الزينة مثلًا، و .. كالرداء التي تجلل به النساء ملابسهن، لأنه لا يمكن إخفاؤه وهو مما يستجلِب النظر لكونه على بدن المرأة على كل حال، فلا مؤاخذة عليه من الله تعالى - طالما أنه ليس في حد ذاته زينة - وهذا هو المعنى الذي بينه عبد الله بن مسعود والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم النخعي لهذه الآية\".

وقد استنكر - رحمه الله - بشدة على من رأى أن معنى (ما ظهر منها) : ما تُظهره المرأة على العادة الجارية - وهو المروي عن ابن عباس بطرق فيها كلام، وعليه طائفة من فقهاء الحنفية - قائلًا: \"وأما نحن فنكاد نعجز عن أن نفهم بأية قاعدة من قواعد اللغة يجوز أن يكون معنى (ما ظهر) : (ما يظهره الإنسان) ، فإن الفرق بين (أن يَظهر الشيء بنفسه) و (أن يُظهره الإنسان بقصده) واضح لا يكاد يخفى على أحد، والظاهر من الآية أن القرآن ينهى عن إبداء الزينة ويرخص فيما إذا ظهرت من غير قصد، فالتوسع في هذه الرخصة إلى حد إظهارها عمدًا مخالف للقرآن ومخالف للروايات التي يثبت بها أن النساء في عهد النبي ما كن يبرزن إلى الأجانب سافرات الوجوه، وأن الأمر بالحجاب كان شاملًا للوجه وكان النقاب قد جُعل جزءًا من لباس النساء إلا في الإحرام\".

وفي تأكيده أيضًا يقول بعض أهل العلم من المعاصرين: \"لو كان معنِى (ما ظهر) الوجه والكفين، وأن العادة فيهما أن يكشفان ولا يُستران، لكان الملائم مقامًا في التعبير أن يكون: (إلا الظاهر منها) ، لكن جاء النص القرآني بقوله تعالى: (إلا ما ظهر منها) ، فأشار إلى حصول ذلك عفوًا ودون قصد حيث أسند الظهور إلى الشيء لا إلى فاعله\".

ويقول آخر: إن مما يرجح أن يكون المراد بالزينة المستثناة: الثياب، \"أن الاستثناء هنا، من الزينة وليس من الجسد، فلزم من ذلك أن يكون ما ظهر منها هو الثياب أو الخمار والنقاب، فهذا كله يَظهَرُ ضرورةً، وهو من الزينة، كما قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد .. الأعراف/ 31) ، ويؤيد هذا نهيه تعالى في الآية الأخرى بقوله: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) ، فنهى سبحانه عن الضرب بالرِّجل الذي يؤدي لرفع الثوب فيظهر ما يخفين من زينتهن، فقد أمر سبحانه في هذه الآية أيضًا بستر الزينة، وظهر بهذا أن المراد بما يظهر من الزينة في قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) شيء آخر لا يمكن ستره عادة، وهو الثياب، وهو أيضًا من الزينة بدليل آية سورة الأعراف\".

وقد تبين من خلال ما سبق وعلى ضوء ما جاء في الآية الكريمة، أن الله تعالى نهى عن سفور وجه المرأة في آية النور التي نزلت بعد آية الإدناء مرتين، مرة عن إبدائها مطلقًا ولا ينصرف ذلك إلا على ظاهر الثياب إذ هي الزينة التي تظهر لكل أحد، ولذا قال: (إلا ما ظهر منها) ولم يقل (إلا ما أظهرن) .. ومرة أخرى نهاهن عن إبدائها إلا لمن استثناهم، فتبين أنها غير الأولى وأنها الباطنة التي تشمل فيما تشمل الوجه والكفين، وهذه يمكن إظهارها لمن استثني دفعًا للحرج، وإلا فلو كانت الثانية جائزة لكل أحد، لما كان للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة تذكر.

ويتفرع عن سابقه فيما ينبغي كذلك لفت الأنظار إليه، أن المرأة - على ما أفاده ابن عطية والقرطبي في تفسيريهما للآية وتعقيب الشيخ الألباني عليهما في كتابه (حجاب المرأة) ص24 - مأمورة بأن تجتهد في ألا تبدي وجهها، وأن ما وقع منها بحكم العادة والعبادة، يعني مما كان للضرورة أو من دون قصد مما جرت به العادة المنضبطة بالشرع - على نحو ما سبق بيانه في حديث الفجاءة - أو كان بقصد شرعي كما في الصلاة والحج إذا كانت المرأة بمأمن من نظر الرجال، داخل في الاستثناء وفيما هو معفو عنه.

ولعله قد وضح الآن - بعد بيان المراد من الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما ظهر منها) - كيف تنوعت الزينة، وكيف استقر أمرها بعد نزول آيتي الحجاب والإدناء على أنها:

1 -باعتبار الظهور والإظهار: نوعان، نوع يمكن إخفاؤه، فالمرأة مأمورة بإخفاء هذا النوع من الزينة مهما كانت، ونوع لا يمكن إخفاؤه أو يمكن ولكن ينكشف من غير أن تتعمد المرأة كشفه، فهذا النوع هو المراد بقوله: (إلا ما ظهر منها) ، وهذا يشمل ما تضطر المرأة لكشفه بحكم العادة أو لمصلحة شرعية أو لضرورة ملجئة .. وذلك - على الترتيب - من نحو النظر إلى الثياب الظاهرة أو ما انكشف من أعضائها من غير قصد منها لأجل عصف ريحٍ مثلًا ومن نحو النظر إلى المخطوبة قبل النكاح وكذا في الحج والصلاة إذا كانا بمأمن من الرجال، ومن نحو كشفها للوجه والكفين أمام الشاهد وما تضطر المرأة لإظهاره من بعض أعضائها أمام الطبيب لدفع الحرج شريطة ألا يُزاد عن القدر الضروري وأن تقدر الضرورة بقدرها .. فهذه وأمثالها من الصور التي تكون بحكم العادة أو لمقصد شرعي أو بحكم الضرورة كالذي تضطر المرأة له لأجل التطبب اضطرارًا إلى كشفه من أعضائها التي أمرت بسترها إجماعًا، لا عتاب عليها فيه، لكونه مما أُذن فيه من قِبل الشارع الحكيم وليس لها فيه خيار.

ومن هنا يظهر أن تحديد (ما ظهر منها) في الوجه والكفين أو الخاتم والسوارين أو الكحل والخضاب وأمثالها أو قصره على أحوال بعينها، لا يصح .. بل الصحيح هو تركه على إبهامه وعمومه، وأنه شامل لجميع الأحوال ولسائر ما تضطر المرأة لإظهاره من جسدها حسب الحاجة والظروف، والذين حددوه في مقدار معين أو ظروف بعينها وقعوا في التفريط أو الإفراط.

2 -وأما أنواع الزينة باعتبار ما يباح للرجل النظر إليه منها وما لا يباح، فنوعان كذلك: زينة باطنة وهذه - على حد ما ذكر ابن تيمية فيما سبق - لا تكون إلا للزوج، وإلا لمن أمنت المرأة منهم فتنته وأمن هو فتنتها من ذوي المحارم؛ لأن هناك إلى جانب العَصَبةِ من الرجال، المحرمات بالمصاهرة وبالرضاع، ومن هؤلاء من قد لا تُؤمن فتنته، وهذه تشمل - إلى جانب الكحل والخاتم - القرط والقلادة والسوار .. وزينة ظاهرة يجوز للرجل عند الحاجة أن يراها أو يطلع عليها منها، وهذه تعني: الثياب الذي يشترط فيه ألا يكون زينة في نفسه .. يقول الخطيب الشربيني في تفسيره 2/ 616:

\"قوله تعالى: (ولا يبدين) أي: يظهرن، (زينتهن) أي - الخفية - لغير محرم، والزينة: خفية وظاهرة، فالخفية مثل الخلخال والخضاب في الرِجل، والسوار في المعصم، والقرط في الأذن، والقلائد في العنق، فلا يجوز للمرأة إظهارها - يعني لغير محرم - ولا يجوز للأجنبي النظر إليها، وذكر الزينة للمبالغة في الأمر بالصون والستر لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها\"، وكان الشربيني قد ذكر في آية الإدناء 3/ 271ما نصه: \"قوله: (ونساء المؤمنين يدنين) : يقربن،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت