الصفحة 27 من 87

(عليهن) أي على وجوههن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئًا منها مكشوفًا\"، كذا بما يعني أن موضع الكحل والخاتم هما أيضًا من الزينة الخفية."

هذا ما استقر عليه أمر الحجاب بعد نزول آيته .. وقبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب أو بجلباب يُضرب من الخلف، يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تُظهر الوجه والكفين ومن ثم يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، وهذا يؤكده ويحمل عليه قول عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك: (فتلفعت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي - وكان قد تخلف عن المعسكر لبعض حاجاته فلم يبت مع الناس - فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف عليَّ فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت - وفي رواية: فسترت - وجهي بجلبابي) .

قال إسماعيل المقدم: \"هذا الحديث يؤكد أن الأمر بغض البصر الوارد في سورة النور التي نزلت في السنة السادسة، متأخر عن الأمر بالحجاب الذي ورد في سورة الأحزاب التي نزلت في السنة الخامسة، وأن الأمر بغض البصر - الوارد في الآية محل الاستشهاد - جاء بعد عام من شيوع الحجاب وامتثال المجتمع الإسلامي للأمر بالحجاب حتى صار هو القاعدة، ويتضح مِن ثمَّ، أن استنباط البعض من الأمر بغض البصر أن وجوه النساء كانت سافرة غير صحيح، بدليل أن الأمر بالحجاب نزل أولًا وامتثله نساء المؤمنين ثم نزل في السنة التي تليها الأمر بغض البصر\"وقد مر وسيأتي - بمشيئة الله تعالى - بيان حديث عائشة في هذا، وتفصيل القول فيه ووجه دلالته على فرضية النقاب.

ولعله قد وضح كذلك - فيما يعد خلاصة لما سبق - ضعف ما نسب إلى السلف من القول بأن ما ظهر من الزينة موضعا الكحل والخاتم وهما الوجه والكفان، وأن ذلك إن صح منهم، كان حكاية عما كان أول الأمر، يعني عما كان قبل نزول آيتي الحجاب والإدناء، وأنه لا يجوز للمرأة بعدهما أن تكشف وجهها أمام الرجال وفيهم الفسقة لصوص الأعراض الذين يتشببون بمحاسن النساء، ويزرعون الطرقات بحثًا عنهن، والفتنة في ذلك غالبة إن لم نقل محققة.

ومما يدعم هذا، ما أفاده الآلوسي في روح المعاني 18/ 208 مجلد 10 من أنه لما كان المراد بقوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) : النهي عن إبداء مواقع الزينة، والتُزم القول بكون الوجه والكفين عورة وبحرمة إبدائهما لغير من استثني بعد، جاز \"أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما ظهر منها) من الحكم الثابت بطريق الإشارة، وهو المؤاخذة في دار الجزاء، ويكون المعنى: إن الذي ظهر من غير إظهار، كأن كشَفَه الريح مثلًا، هن غير مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك: ما لزم إظهاره لنحو تحمُّل شهادة ومعالجة طبيب، وقد روى الطبراني والحاكم وصححه وابن المنذر وجمع آخرون عن ابن مسعود أن (ما ظهر) الثياب والجلباب .. وفي رواية، الاقتصار على الثياب، وعليها اقتصر أيضًا الإمام أحمد، وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد .. الأعراف/ 31) ، كما في البحر\".

الدليل الثالث عشر حتى السادس عشر

الاقتصار في إظهار الوجه للمُحرَّمين بطريق الرضاعة المستثنين في قوله بسورتي

الأحزاب والنور: (أو آبائهن) ، والتنظير بقصة عائشة وحفصة في ذلك

ويدل إيذان النبي بدخول عم أم المؤمنين عائشة في الرضاعة عليها، على علة جواز النظر إلى وجهها، وأنه لولا هذه العلة لأضحى واحدًا من الأجانب الذين يجب ستر وجهها عنه، وهذا من أقوى الأدلة على فرضية النقاب وعلى تعميمه والتسوية في فرضيته بين نساء النبي r وبين سائر نساء المسلمين، بل إنه - كما سنشير بعد قليل - من أوضحها في أن ما يجري على هؤلاء يجري على أولئك.

والواقعة المشار إليها آنفًا روتها أم المؤمنين عائشة نفسها، وفيها أن أفلح أخا أبي القُعَيس - وهو عمها من الرضاعة - لما جاء يستأذن عليها بعد أن نزل الحجاب، قالت: (فأبيت أن آذن له) ، تقول رضوان الله عليها: (فلما جاء رسول الله r أخبرته بالذي صَنعتُ، فأمرني أن آذن له) ، وفي رواية أنه r قال: (ائذني له فإنه عمُّكِ، تربت يمينُك) ، وفي أخرى: (صدق أفلح، ائذني له) .. ولا دلالة لهذا الحديث وما جاء من الآيات مقررًا لما تضمنه من استثناء أصناف بعينها يباح لها النظر إلى وجوه النساء باعتبارهم محارم لهن، سوى أن من كان على غير تلك الحال يجب على المرأة أن تحتجب عنه ولا يجوز لها - بحال - أن تكشف وجهها أمامه، وهذا هو وجه الاستدلال بالحديث وبالآيات المتصلة به، على فرضية النقاب.

وإنما كان الإذن من قِبَله صلوات الله عليه لأم المؤمنين عائشة بالنظر إلى (أفلح) لأن أخاه (أبا القعيس) كان زوجًا للمرأة التي أرضعت عائشة، فأضحت هذه المرأة أمها في الرضاعة، وأضحى زوجها (أبو القعيس) أبًا لعائشة من الرضاعة وعائشة ابنة له كذلك، وأخوه (أفلح) بهذا - وهو عمها من الرضاعة - بمثابة المندرج تحت من استثنى الله في قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن .. النور/ 31) ، وتحديدًا الأخير منهما، وإنما لم يتم التنصيص في الآية على \"العم والخال، لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقد يسمى العم أبًا، قال تعالى حاكيًا عن بني يعقوب: (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل .. البقرة/ 133) ، وإسماعيل كان العم\"، وقد سأل بعض السلف، لمَ لم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين - يقصد آيتي النور/ 31 والأحزاب/ 55؟، فأجاب عكرمة والشعبي: بأنهما لم يذكرا لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما.

ويستأنس لما ذكر هنا بحق عائشة رضي الله عنها، بحادثة شبيهة وقعت لحفصة بنت عمر رضي الله عنهما، وفيها يروي البخاري (5099) ، (3105) عن عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي r أخبرتها أن رسول الله r كان عندها، وأنها سمعت صوت رَجُلٍ يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة فقلت: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال النبي r: ( أراه فلانًا - لعمِّ حفصة من الرضاعة - الرضاعة تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الولادة) .. والحديث هنا - كسابقه - دال بطريق ضمني على فرضية النقاب ووجوب تغطية الوجه عن الأجانب من الرجال، إلا لمن استثُنْنِي في الآي السالفة الذكر .. وإلا فلا معنى لتعجب عائشة رضي الله عنها لمجيء هذا الذي حسبته أجنبيًا، ولا لاستنكارها في استئذانه الدخول على حفصة.

على أن ما ذكر بحق زوجتي النبي عليه وعليهما السلام، هو أيضًا ومن جهة أخرى، مندرج تحت من استثنى الله في قوله: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف .. النساء/ 23) ، وتحديدًا في سادس هذه الأصناف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت