الصفحة 28 من 87

(وبنات الأخ) ، لكون (أفلح) أخًا في النسب لأبي القعيس زوج من أرضعت عائشة رضي الله عنها، فصارت هي بذلك ابنة (أبي القعيس) من الرضاعة وصار (أفلح) بالتالي عمها في الرضاعة، وفي الحديث: (العم صنو الأب) ، وكذا الحال بالنسبة لحفصة رضي الله عنها .. وإن شئت أدرجتهما في ثاني الأصناف المذكورة في آية النساء لأنهما بهذه المثابة، أو - كما ألمحنا - في ثاني ما ذكر الله في قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن .. إلى آخر الآية 31 من سورة النور) .

ذلك أن الآيتين الأخيرتين وإن كان حديثهما عما يحرم من النسب، فمما هو معلوم في دين الله بالضرورة أنه (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، وقد سبق منذ قليل قوله r من رواية عائشة: (الرضاعة تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الولادة) .. وإلى ذلك جاءت الإشارة بقول الحافظ ابن حجر في الفتح9/ 56: \"وفيه - أي حديث أفلح - وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب ومشروعية استئذان المحرم على محرمه\"، كذا بما يفيد التسوية في التحريم بين النسب والرضاعة، وبما يفيد أيضًا تنزيل العم في ذلك منزلة الأب وتنزيل بنت الأخ منزلة البنت، وبما يفيد كذلك وجوب تغطية الوجه وستره عن غير ما استثني بالآي والأحاديث، وبما يفيد أخيرًا تعميم حكم الوجوب المستلزم فرضية النقاب، ليشمل جميع النساء دون ما أدنى فرق بين عائشة زوج النبي r وبين غيرها من سائر نساء المؤمنين.

وعموم هذا الحكم من الوضوح بمكان، لأنه على نحو ما شمل عائشة وحفصة رضي الله عنهما فهو شامل كذلك لغيرهما من نساء المؤمنين، وقد جاء تقريره في القرآن مرة في سياق مخاطبة زوجات النبي الطاهرات بهذا الشأن، ومرة أخرى في سياق مخاطبة سائر نساء المؤمنين في نفس الحكم.

أما الأولى، فهو قوله تعالى: (في آبائهن) من آية الأحزاب: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدًا .. الأحزاب/ 55) ، وذلك بعد قوله مباشرة: (وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيما. إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليمًا .. الأحزاب/ 53، 54) .

والأخرى في قوله أيضا: (في آبائهن) في الآية الكريمة: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورت الرجال .. إلى آخر الآية 31 من سورة النور) .

وقد فطن لهذا علماء الأمة، واستشفوا منه أنه على نحو ما يجوز للمرأة من سائر نساء المؤمنين أن تكشف وجهها أمام من ذكر الله من المحارم، يجوز هذا أيضًا بحق نساء النبي r دون ما تفريق ولا تمييز، لاستوائهن جميعًا في أحكام التكليف، ولأن خطاب الواحد - كما سبق تقريره - يعم جميع الأمة .. ومن غير من ذكرنا نصوصهم في هذا بإفاضة فيما مر بنا في آية الأحزاب (وإذ سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب) وفي وجه دلالتها في إفادة ستر المرأة وجهها عن الأجانب، يقول الأستاذ محمد كلكل:

\"فادعاء أنها - يعني آية الأحزاب السابق ذكرها - خاصة بنساء النبي r - إضافة لما ذكرتُه - لا ينهض حجة، لأن الاستثناء في آية: (لا جناح عليهن في آبائهن) عام، وهو فرع من الأصل وهو الحجاب، فدعوى تخصيص الأصل يستلزم تخصيص الفرع، وهو غير مسلم لما علم تعميمه، فهل يقال لامرأة أباح الله لها أن تظهر على أبيها وابنها وأخيها: إن الله لم يوجب عليك التحجب عن غيرهم؟!، فقصرُ الله ظهور المرأة على محارمها فقط بقوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن .. الآية) ، أما غيرهم من الأجانب فإنه يجب عليها الاحتجاب عنهم، بداهة بمقتضى مفهوم الآية\".

ويدل على عموم هذا الحكم وشموله أن عروة ابن الزبير حين نطق بهذا الحكم العام قال: (فبذلك كانت عائشة تقول: حرِّموا من الرضاع ما يَحْرُمُ من النسب) ، وفي رواية لمسلم: (فقال النبي r: لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) .

وفي تقرير ما سبق ذكر الفقهاء أنه \"إذا أرضعت امرأة رضيعًا، صار زوجها أبًا للرضيع، وأخوه عمًَّا له، لما في حديث عائشة رضي الله عنها من أن رسول الله r قال: (ائذني لأفلح أخي أبي القعيس، فإنه عمُّكِ) ، وكانت امرأته - يعني امرأة أبي القعيس - أرضعت عائشة رضي الله عنها، وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلامًا، أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ قال: (لا، اللقاح واحد) ، وهذا رأي الأئمة الأربعة والأوزاعي والثوري، وممن قال به من الصحابة عليٌّ وابن عباس رضي الله عنهم\"انتهى من كلام الشيخ سيد سابق .. والكلام في ذلك كثير ومتشعب، وحسبنا منه ذكر ما مست الحاجة إليه، والله تعالى أعلى وأعلم.

الدليل السابع عشر وحتى الحادي والعشرين

الاقتصار في إظهار الوجه للمستثنين في قوله:(أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين

غيرَ أولي الأربة من الرجال)، والأخبار الواردة في ذلك

وتأتي أحاديث المُكاتَبين ضمن ما يستدل بها على فرضية النقاب، لأنهم ما استثنوا - كسابقيهم من المُحَرَمِين من الرضاعة - إلا لأن سواهم من غير المستثنين في الآية، يجب على المرأة أن تستتر بوجهها عنهم .. والمكاتبة هي: تحرير المملوك يدًا حالًا، ورقبة مآلًا، أي: عند أداء البدل، أو بمعنى أدق: عتقٌ على مال مؤجل من العبد موقوف على أدائه، وقد اختُلف في جواز أن ينظر العبد لمولاته، وهل هم المعنيون بقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهن) في الآية الكريمة: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن .. الآية 31 من سورة النور) .

فمذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي إلى أنهم الإماء ولو كوافر، وأما العبيد فهم كالأجانب، وقول آخر للشافعي أن العبيد كالمحارم، ففي المنهاج وشرحه لابن حجر: \"والأصح أن نظر العبد العدل إلى سيدته المتصفة بالعادلة، كالنظر إلى مَحرم .. ومذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما وأئمة أهل البيت أنه يجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما ينظر أولئك المستثنون، وروي عن عائشة أنها كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها، وأنها قالت لذكوان:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت