الصفحة 29 من 87

= (إذا وضعتَي في القبر وخرجتَ فأنت حر\"، كذا ذكره الآلوسي في روح المعاني 18/ 211، 212 قال: \"والذي يقتضيه ظاهر الآية عدم الفرق بين الذكر والأنثى لعموم(ما) ، ولأنه لو كان المراد الإناث خاصة، لقيل: (أو إمائهن) .. وخرج بإضافة الملك إليهن عبد الزوج فهو والأجنبي سواء\"."

وقد وردت أحاديث وأخبار تبين أن حال المكاتَبين الذين هم في طريقهم إلى أن يتحرروا، يختلف بالنسبة للنظر إلى زوجات النبي r عما كانوا عليه قبل أن يأخذوا بالأسباب ويعقدوا العزم في السعي إلى التحرر، وأنهم أضحوا بحالهم الجديد كالأجانب.

= من هذه الأحاديث: ما جاء عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله r: ( إذا كان لإحداكن مُكاتَب وكان عنده ما يُؤدِّى، فلتحتجب عنه) .

= ومنها ما رواه الطحاوي بإسناده عن ابن شهاب أن نبهان مولى أم سلمة حدثه أنه بينا هو يسير مع أم سلمة زوج النبي r في طريق مكة، وقد بقي من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت كلما أدخل عليها أراها، فقالت وهي تسير: ماذا بقي عليك من كتابتك يا نبهان؟ قلت: ألفا درهم، قالت: فهما عندك؟ فقلت: نعم، فقالت: (ادفع ما بقي عليك من كتابك إلى محمد بن عبد الله بن أمية، فإني قد أعنته بها في نكاحه، وعليك السلام) ، ثم ألقت دوني الحجاب، فبكيت وقلت: (والله لا أعطيه إياها أبدًا) ، قالت: (إنك يا بني لن تراني أبدًا، إن رسول الله r عهد إلينا، أنَّا إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء بما بقي عليه من كتابته، فاضربوا دونه حجاب) .

= ومنها ما رواه سليمان بن يسار، قال: استأذنت على عائشة رضي الله عنها فقالت: من هذا؟! فقلت: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قال: قلت: عشر أواق، قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم.

ولا دلالة لجملة هذه الأخبار - خبر ذكوان ونبهان وابن يسار - وما جاء على شاكلتها سوى فرضية ستر وجوه النساء عن عبيدهن من الرجال باعتبارهم أجانب عنهن بمجرد أن صاروا أحرارًا، وطالما أنهم قرروا أن يخرجوا من ملك اليمين ومن عداد من جاء ذكرهم في قول الله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن) ، يعني ممن استثنى الله وسوغ الشارع الحكيم أن ينظروا لسيداتهم وأن يبدين زينتهن لهم، لأنهم بتحررهم صاروا أجانب لا يحل لهم النظر إلى وجوه النساء ويجب على النساء ستر وجوههن عنهم .. يقول الشيخ ابن عثيمين: \"وجه الدلالة من هذا الحديث - يعني على وجوب النقاب - أنه يقتضي أن كشف السيدة وجهها لعبدها جائز ما دام في ملكها، فإذا خرج منه وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبيًا، فدل على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل الأجنبي\"، وذلك منسحب - بالطبع - على من لم يكونوا من الأحرار عبيدًا لسيداتهم.

= كما ينسحب على من اتضح أنه ليس ممن عناهم الله بقوله: (أو التابعين غير أولي الأربة من النساء) ، فقد كان النبي r في بيت أم سلمة - والحديث أخرجه مالك في الموطأ وأصحاب السنن - فدخل عليها (هِيت) المخنث، فقال لسيده عبد الله بن أبي أمية المخزومي أخي أم سلمة لأبيها: يا عبد الله، إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فإني أدلك على بادية بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، وزاد في الوصف وأنشد شعرًا، فقال رسول الله r: ( لا أرى هذا يعرف ما ههنا، لا يدخل عليكن) ، فحجبوه .. وأولى ما قيل في معنى (غير أولي الأربة من الرجال) أنهم: \"الذين لا حاجة لهم بالنساء ولا يعرفون شيئًا من أمورهن، بحيث لا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ولا يصفوهن للأجانب\"، كذا ذكره الآلوسي 18/ 214 مجلد10، وكلام غيره لا يخالفه.

وإنما تكمن علة حجبه r عن زوجاته، في انكشاف أمره وخروجه ممن استثناهم الله تعالى لجواز إبداء الزينة لهم .. وفيه دليل واضح على أنه أضحى بما صدر عنه من قول بدا فيه أنه من غير من ذكر الله في الآية، أجنبيًا لا يجوز له أن يرى النساء وألا يظهرن له أو أمامه بوجوههن، شأنه شأن سائر من يجب على المرأة أن تحول بينه وبين رؤيتها والنظر لوجهها.

الدليل الثاني والعشرين

الأمر بضرب الخُمُرِ على الوجوه

أعني الماثل في قول الله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن .. النور/ 31) ، فقد \"أراد - جل ذكره - أن يُعلِم المرأة كيف تحيط مواضع الزينة بلف الخمار الذي تضعه على رأسها، فقال: (وليضربن بخمرهن) يعني: من الرأس وأعالي الوجه (على جيوبهن) يعني: الصدور، حتى تكون بذلك قد حفظت الرأس وما حوى والصدر وما تحته وما بين ذلك من الرقبة وما حولها، لتضمن المرأة بذلك ستر الزينة الأصلية والفرعية، فمن استثنى شيئًا من تلك المنطقة المحرمة بنص القرآن العزيز، فعليه بالدليل الذي يخصص هذا ويحدد المستثنى، وهذا غير ممكن قطعًا، لأنه يحتاج إلى نص صريح من القرآن أو السنة، وأنى لأولئك الذين قد استثنوا الوجه من تلك المنطقة بالأمور الظنية أن يأتوا بالدليل القطعي؟ ويشهد لما قلناه من تحريم خروج الزينة الأصلية والمنقولة، فعل رسول الله r بزوجته صفية وفعل أمهات المؤمنين وفعل نساء المؤمنات في عهد رسول الله r بعد نزول هذه الآية وآية الأحزاب، من الستر الكامل بالخمر والجلابيب\".

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قد ذكر أن \"الجيب: شق في طول القميص، فإذا ضَرَبت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها، وأمرِتْ بعد ذلك أن ترخي من جلبابها، والإرخاء إنما يكون إذا خرجت من البيت، فأما إذا كانت في البيت فلا تؤمر بذلك، وقد ثبت عن النبي r أنه لما دخل بصفية، قال أصحابه: إن أرخى عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضَرَب عليها الحجاب، وإنما ضُرب الحجاب على النساء لئلا تُرى وجوههن وأيديهن\".

ومن المعلوم لدى أهل اللغة والشرع ولا خلاف فيه، أن الخُمُر: هي التي تغطي الرأس والوجه والعنق، وأن الجلابيب: هي التي تسدل من فوق الرؤوس، وأن المقصود من الأمر بذلك هو التحفظ والتستر عن أعين الرجال حتى لا يكنَّ سببًا في الافتتان بهن، ومن المعلوم بالبداهة أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها، فهي مأمورة ضمنًا - بقرينة الأمر بالإدناء والأمر بالضرب بالخمر على الجيوب - بستر ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة، وأنه إنما لم يُذكر هنا للعلم بأن الضرب بالخمار على الجيب لا بد أن يغطيهما.

وسنورد في الدليل التالي - بمشيئته تعالى - كلام أهل الحديث في معنى ما جاء بخبر عائشة الذي حكت فيه ما كان من نساء الصحابة حين سمعن (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ، وكيف كان تنفيذهن للأمر وامتثالهن له عمليًا إنما كان بشق أُزُرِهن واختمارهن بها بما يعني تغطية وجوههن وجميع أبدانهن دون ما استثناء، وأنه لو كان الأمر على غير ذلك لما فعلنه .. ومما يشهد بكل هذا، قول الشاعر العربي يصف امرأة بالجمال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت