الصفحة 30 من 87

قل للمليحة في الخمار المذهب * أفسدت نسك أخي التقي المذهب

نور الخمارِ ونور خَدِّك تحته * عجبًا لوجهك كيف لم يتلهب

فقد وصف من يتغزل بها - ويبدو أنها كانت متبذلة في خمارها - بأن خمارها كان على وجهها أيضًا، وذلك قوله: (ونور خدك تحته) .. وعليه فإن قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على وجوههن) هو - على حد ما ذكر صاحب (نظرات في حجاب المرأة المسلمة) - \"صريح في إدناء الخمار من الرأس إلى الصدر، لأن الوجه من الرأس الذي يجب تخميره عقلًا وشرعًا وعرفًا، ولا يوجد أي دليل يدل على إخراج الوجه أو استثنائه بمنطوق القرآن والسنة ولا بمفهومهما، واستثناء بعضهم له ونفيهم بأنه غير مقصود في عموم التخمير، مردود بالمفهوم الشرعي واللغوي، ومغمور بأقوال بقية علماء السلف والخلف، كما هو مردود بقاعدتين اصطلح عليهما رجال الفقه في السنة، الأولى: (أن حجة الإثبات مقدمة على حجة النفي) ، والثانية: (أنه إذا تعارض مبيح وحاظر، قدم الحاظر على المبيح) \".

وفي هذا المعنى يقول الشيخ ابن عثيمين في (رسالة الحجاب) ص7، 8: \"الخمار: ما تخمر به المرأة رأسها وتغطيه بها كالغدفة، فإذا كانت المرأة مأمورة بأن تضرب بالخمار على جيبها، كانت مأمورة بستر وجهها، إما لأنه من لازم ذلك وإما بالقياس، فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى لأنه موضع الجمال والفتنة، فإن الناس الذين يطلبون جمال الصورة لا يسألون إلا عن الوجه، فإذا كان جميلًا لم ينظروا إلى ما سواه نظرًا ذا أهمية، ولذلك إذا قالوا: (فلانة جميلة) لم يفهم من هذا الكلام إلا جمال الوجه، فتبين أن الوجه هو موضع الجمال طلبًا وخبرًا، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يفهم أن هذه الشريعة الحكيمة تأمر بستر الصدر والنحر ثم ترخص في كشف الوجه\"ا. هـ

ومن الطريف حقًا - والحال كذلك - أن يُستدل بقوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) على أن الوجه ليس بداخل في الحجاب، لأن الله تعالى لم يأمر فيه بستر الوجه، والجواب: أن نعم، هو تعالى لم يأمر هنا بستره، ولكنه لم يأمر هنا كذلك بستر الرأس والعنق والعضدين، فهل معنى هذا أنه يجوز لهن كشف هذه الأعضاء؟! فما هو جوابكم فهو جوابنا.

يقول الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (حراسة الفضيلة) ص62: \"ومن نازع فقال بكشف الوجه، لأن الله لم يصرح بذكره هنا، فإنا نقول له: إن الله سبحانه لم يذكر هنا الرأس والعنق والنحر والصدر والعضدين والذراعين والكفين، فهل يجوز الكشف عن هذه المواضع؟؟!!، فإن قال: لا، قلنا: و (الوجه) كذلك، لا يجوز كشفه من باب أولى، لأنه موضع الجمال والفتنة، وكيف تأمر الشريعة بستر الرأس والعنق والنحر والصدر والذراعين والقدمين، ولا تأمر بستر الوجه وتغطيته وهو أشد فتنة وأكثر تأثيرًا على الناظر والمنظور إليه؟؟!!، وأيضًا ما جوابكم عن فهم نساء الصحابة - رضي الله عن الجميع - في مبادرتهن إلى ستر وجوههن حين نزلت هذه الآية؟؟!! \"، انتهى من كلامه .. وهو حجة في إلزام الخصم مهما عاند وأمعن في اللدادة.

الدليل الثالث والعشرين

فعل نساء المهاجرين عقيب سماعهن الآية وإقرار النبي لهن

ومن الأدلة على فرضية النقاب، ما كان من النساء المهاجرات، فهن الأخريات كن نماذج تحتذى في التزام أمر الله بالحجاب، وكن كذلك على نفس المستوى من الإيمان والطاعة لله ورسوله الذي كان عليها نساء الأنصار، وفى حقهن أورد البخاري في صحيحه في باب (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) (4758) عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن .. النور/ 31) شققن مروطهن فاختمرن بها، وفي رواية أخرى له عن عائشة أيضًا: (أخذن أُزرَهن فشققنها من قِبل الحواشي فاختمرن بها) .. وفي رواية للطبري في تفسير الآية: (شققن البُرَدَ مما يلي الحواشي فاختمرن بها) ، وفي أخرى له: (شققن أكثف مروطهن فاختمرن بها) .

والاختمار كما سبق مرارًا يطلق على تغطية الوجه، قال العيني في عمدة القاري10/ 92: \" (فاختمرن بها) أي: غطين وجوههن بالمروط التي شققنها\"، وبنحو ذلك جاءت عبارة الحافظ ابن حجر في الفتح 8/ 347 قال: \" (فاختمرن) أي: غطين وجوههن\"، ونظيره قوله في كتاب الأشربة في أثناء تعريفه للخمر: \"ومنه خمار المرأة، لأنه يستر وجهها\"، كما أن قول عائشة في حادث الإفك: (فخمرت وجهي بجلبابي) وكذا قولها: (وكان قد رآني قبل الحجاب) ، نص - هو الآخر - في شمول الخمار للوجوه، وسيأتي الحديث عن معنى الاختمار مفصلًا إبان تناولنا لحديث فاطمة بنت المنذر بعد أن ذكرنا بالدليل الماضي بعضًا من ذلك إبان ذكرنا للآية الكريمة: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) .

وهذا الذي أكثرنا من ذكره يؤكد على أن النقاب كان محل إجماع لدي جميع نساء الصحابة مهاجرات وأنصاريات، وإجماعهن وكذا إجماع رجالهن من الصحابة الذين تلوا عليهن الأمر به، هو في حد ذاته حجة يستلزم الأخذ به والحكم بجوب وفرضية ما أجمعوا عليه .. كما يدل على شيوع أمر النقاب هذا بين عامة النساء المؤمنات، وذلك بعد نزول آيتي النور والأحزاب المذكورتين آنفًا، فقد تغير على إثرهما حال النساء المؤمنات الفضليات وأضحى النقاب واجبًا متبعًا لعمومهن، من يومها وحتى يوم الناس هذا وإلى يوم القيامة مهما حاربه المحاربون، وحوله من الشبهات أثار المغرضون.

وفي تفسيره للآية يقول الشنقيطي بحق حديث عائشة رضوان الله عليها: \"وهذا الحديث الصحيح، صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه، فهمن أن معنى الآية يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أُزُرهن فاختمرن، أي سترن وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) المقتضي ستر وجوههن، وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة رضي الله عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه، ومعلوم أنهن ما امتثلن وما قمن بستر وجوههن عقيب نزول قوله: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ، إلا لما فهمنه من ظاهر الآية ودلالة ألفاظها اللغوية التي لا لبس فيها ولا مواربة ولا غموض، وإلا لإقرار النبي r لفهمهن هذا، لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، والله جل وعلا يقول: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم) ، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن\"ا. هـ من أضواء البيان بتصرف.

الدليل الرابع والعشرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت