الدليل الأول
آية الإدناء .. منطوقها وتفسيرها من قِبَل من لا ينخرم الإجماع بمخالفته
من المناسب - ونحن نواجه هذه الحملة الشرسة المنظمة، والتي جاءت فيما يشبه المؤامرة على نقاب المرأة المسلمة رمز طهرها وعفافها، حتى من شيوخ ورجال أزهرنا الشريف - أن نبدأ كلامنا في ذكر أدلته بالتذكير بما يعرف بآية الإدناء، وقد عَنى بها أهلُ الاختصاص قولَ الله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين .. الأحزاب/ 59) .
ونبدأ القول بأنه على نحو ما فهم الصحابة والصحابيات الأمر في هذه الآية الكريمة على الوجوب، فكانوا وكن نماذج تحتذى في قوة الإيمان وشدة التصديق - على نحو ما سيأتي تفصيله في روايات أم سلمة وعائشة رضوان الله عليهما - فقد فهم جل علماء الأمة سلفًا وخلفًا منها ذلك، وفهمهم لنصوص الوحي حجة، إذ هم الأقرب منه والأعرف بمراده والأدرى باللغة التي نزل بها والآمن على نقله إلينا.
من هؤلاء ابن عباس، فقد ورد عنه قوله بعد أن ذكر الآية: \"أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة\".
ومنهم الفقيه العَلَم عبيدة بن عمرو السلماني قال ابن سيرين فيما نقله عنه الطبري وابن أبي حاتم وابن حميد وابن المنذر والسيوطي وغيرهم: سألت عبيدة عن قوله تعالى .. وذكر الآية، فقال بثوبه فغطى رأسه ووجهه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه، وفي رواية عنه لابن عون: فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه أو على الحاجب.
وقتادة فقد جاء عنه - ومثله عن ابن عباس - قوله في تفسيرها: (تلوي الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه) \".. والمبرد، قال فيما نقله عنه أهل التفسير: \"يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن\".. والسدي، قال: \"تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين\"."
وممن قال بوجوب النقاب استنباطًا من هذه الآية، إمام المفسرين الذي أطبقت الأمة على تقدمه في علم التفسير ابن جرير الطبري ت310، ونص عبارته: \"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا تتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين - كذا باللام المفاد منها أن الخبر هنا مراد به الأمر والوجوب والإلزام - عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر، بأذى من قول\".
وأبو بكر أحمد بن علي الجصاص الحنفي ت370 قال في (أحكام القرآن) 3/ 458: \"في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الرِّيَب فيهن\".. وأبو الليث نصر بن محمد السمرقندي ت 375 قال في معنى الإدناء نقلًا عن القتبي: \"يلبسن الأردية، يعني: يرخين الجلابيب على وجوههن\"، وذلك بعد أن ذكر في سبب الآية أن المهاجرين لما نزلوا ديار الأنصار وضاقت الدور عليهن، كن النساء يخرجن بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن وكان الزناة يرصدون في الطريق الولائد ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل فأمر الحرائر بأخذ الجلباب وأن يدنين عليهن من جلابيبهن.
والثعلبي أبي إسحاق أحمد بن محمد ت 427، قال في تفسيره المسمى بـ (الكشف والبيان في تفسير القرآن) 5/ 132: \" (يدنين عليهن من جلابيبهن) أي: يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنعن بها ويغطين وجوههن ورءوسهن ليعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن ويؤذين\"، وساق أثر ابن عباس في هذا .. وأبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي ت 437 قال في معنى الآية: \"قل لهن يرخين عليهن أرديتهن لئلا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق\"... ثم ذكر عبارة ابن عباس في ذلك.
ومن هؤلاء الفقيه عماد الدين بن محمد الطبري المعروف بـ (إلكيا الهراس) ت504 قال في تفسيره 4/ 350 من المجلد 2: \"الجلباب: هو الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورءوسهن\".. والإمام محيي السنة أبو الحسين البغوي ت516 الذي اكتفى بقول ابن عباس وعبيدة ولم يلتفت إلى قول من رأى غير ما قالاه، كأنه لم يعتد به.
ومنهم الزمخشري الحنفي المذهب والمتوفى 538 قال في (الكشاف) 3/ 274: \"معنى (يدنين عليهن من جلابيبهن) : يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة: (أدنِي ثوبكِ على وجهِكِ) ، وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على هجيراهن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فصل بين الحرة والأمة .. فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرءوس والوجوه، ليتحشمن ويُهبن فلا يطمع فيهن طامع\"، ثم ساق في