وليس من هذا يُقضى العجب لأن كراهة مَن ذكرنا من أن ينصلح حال مجتمع الإسلام، بيِّن لا يختلف عليه اثنان .. إنما يُقضى العجب حين تأتي السهام من الداخل ومن علمائنا الأفاضل .. حين يأتي الهجوم الشرس على (النقاب) رمز العفة والفضيلة من داخل أزهرنا المعمور ومن مقر مجلسه الأعلى ومجمع بحوثه ووزارته .. من أناس نجلهم ونكنُّ لهم كل حب ونتمنى لهم كل خير، بل ونظن بهم الظن الحسن، ونخشى أن تأخذهم الدنيا بزخارفها ومناصبها إليها فنؤتى من قِبَلهم، أو من قِبَل ثغورهم التي جعلهم الله أمناء وجنودًا ومرابطين عليها، يحموننا من خلالها ويحمون ديننا وعقيدتنا وشريعتنا ونساءنا.
وحرصنا عليهم، إنما يأتي - بالطبع - من جهة أنهم أئمتنا الأجلاء الذين تربينا على أيديهم ونهلنا من علمهم، ومن جهة أننا مطالبون بألا نكتم ما علّمَنا الله إياه حتى لا تحلُّ علينا لعنة الله ولعنة اللاعنين، ومن أن ننصح بما عَلِمنا لهم ولسائر أئمة وعامة المسلمين، فهذا حقهم علينا بعد النصح الله أولًا ورسوله وكتابه، فكلنا يعلم ويحفظ ما جاء في حديث: (الدين النصيحة) ، وما جاء في الخبر القائل: (رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي) .. وكم كنت أود أن يَتعبَ أئمتُنا قليلًا ويكلفوا أنفسهم عناء السير صوب مقرات مشيخة الأزهر وبعيد خطوات يسيرة من جامعته ومكتبته ودار إفتائه - قلاع الإسلام وثغوره في زماننا - ليروا بأنفسهم ما يجري في الحديقة المسماة باسم الأزهر والمنسوبة إليه زورًا وبهتانًا، وليعاينوا على الطبيعة ما آل إليه أمر السفور والاختلاط، مما يفوق الوصف ويعجز المرء عن حصره ويندى لهوله الجبين، وليعلموا كذلك مدى خطورة ما شحذوا الهمم لأجله وعقدوا المؤتمرات لمحاربته، تاركين وراءهم ما أوجبه الله عليهم من تغيير هذه المنكرات ولو بالكلمة أو بأضعف الإيمان، ومن تشديد النكير على تيك العلاقات الآثمة التي تتم على مقربة من كعبة العلم ومقصد طلابه من أنحاء العالم، بل وفي جامعات مصر ومعاهدها ومدارسها وأماكن لهوها المشهورة، حفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء.
على أن أمر النقاب - على الرغم من كثرة ما كُتب فيه ومن كتب، وعلى الرغم من كثرة ما دار حوله من نقاش - ليحتاج إلى مزيدٍ من الكتابة حوله لعدة أسباب:
منها - ومن غير ما ذكرنا من أن عليه المعول الأكبر في الحد من انتشار الفتنة والإعلان بها - أن جل الأدلة التي أوجبته، أثير حولها اللغط، وجاءت مستنبطة وبطريق الأولى أو المخالفة، وذلك لحكمة يعلمها الله .. ربما لأن فرضيته لم يكن لعموم المكلفين من الرجال والنساء شأن سائر ما فرض الله من صلاة وزكاة وصوم وحج، وهذا يفسر لنا سر ارتباطه بحالات معينة ونادرًا ما تقع من نحو أحكام الخِطبة وبمن وما يجوز للرجل اطلاعه عليه منهن، ويفسر لنا كذلك سر شدة ارتباطه بحق زوجاته r، باعتبار أن حكاية ما كان منه ومنهن وما يصدر عنه وعنهن، سنة وسيرة وتشريع .. وربما لبداهته وكونه معلومًا بالضرورة ويكفي فيه أن يقال: (وكان ذلك قبل نزول آية الحجاب) أو (قبل أن يضرب أو يفرض) ، وما أكثر ما تكررت هذه العبارات وأمثالها .. وربما - وهذه متفرعة عن سابقتها - أن جل من تكلموا فيه بإفاضة، لم يؤمنوا بفرضيته، وإنما اكتفوا بالقول بسنيته أو بمشروعيته .. ومهما يكن، فإن أمر النقاب في زماننا ليحتاج في الوقوف على حُكمه وكشف أدلته إلى مزيد توضيح وبيان، كما يحتاج وبنفس القدر إلى ما ذكرنا أيضًا لإزالة ما علق به من شبهات.
ومنها: أن ستر المرأة لوجهها معلوم مدى أثره في صلاح مجتمع الإيمان، ومن ثم فقد استمر العمل به منذ صدر الإسلام وعصور الصحابة والتابعين لهم بإحسان وحتى أوائل ومنتصف القرن الماضي، حيث انقضاض عدو الله وعدو الإسلام والمسلمين، على دولة الخلافة الإسلامية وانفراط عقدها إلى دول متشعبة.
ومنها - وهذا متفرع عن سابقه - أن سفور المرأة عن وجهها شكّل جانبًا خطيرًا في حياة أمتنا، وعوّل أعداء الأمة عليه كثيرًا، بل وراهنوا على جعله سببًا مباشرًا في إفساد ديننا وشبابنا وفتياتنا، فسفور المرأة عن وجهها عَدُّوه - وهو كذلك بالفعل - أقرب الطرق لإحراز ما لم يقووا على إحرازه عسكريًَّا، والمتأمل في بروتوكولات حكماء صهيون وما جدّ فيه الاستعمار منذ أن فتح أعينه علينا وعلى بلادنا وثرواتنا، يجد ذلك واضحًا جليًَّا .. وهو إلى الآن لم يتوان لحظة في محاولة محو هذه الشعيرة الدينية (شعيرة النقاب) ، وتشويهها وإثارة الشكوك والشبهات حولها وإثناء أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا عنها، لما ارتأى من أثر نزع النقاب عن وجوه من ذكرنا في فتنة وفساد المجتمع الإيماني ومن ثم في تحقيق كل ما يصبو إليه.
ومنها - قبل كل ذلك وبعده - أن النقاب يمثل بحق، أمر عبادة وليس كما يُظن به ظن السوء أمر عادة، فهو أمر قضى الله ورسوله فيه بأمر، (وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة إذا قضى لله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا .. الأحزاب/ 36) .
وهذه الدراسة وإن عُدت تحصيل حاصل لدراسات سبقتها، إلا أنها لا تخلو من جديد سواء من حيث مادتها أو من حيث ترتيب أدلتها وعرض أفكارها .. وسيلاحظ القارئ أن هذه الدراسة قد اتكأت في معظم تناول أدلتها على جانب الاستنباط، ولعل هذا هو سر خفاء أدلة وجوب ارتداء النقاب حتى على كثير من المحققين من أهل العلم .. وهي - بما ذكرتُ - اقتضت أن تأتي في ثلاثة مباحث:
جاء أولها في توضيح ما ورد في وجوب تغطية الوجه من أدلة القرآن، وما اتصل بهذه الأدلة القرآنية من أحاديث لا يجمل تفصيل القول فيها، إلا في ضوء ما تعلقت بها من آي التنزيل، ثم توضيح وجه دلالة كلٍّ على فرضية النقاب .. بينا جاء ثانيها في سرد ما ورد عن سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه فيما يختص بهذا الجانب .. وتناول ثالثها عديدًا من أدلة الإجماع والقياس وأدلة النظر والاستدلال العقليين في فرضية النقاب عند القائلين بذلك، وعملنا إنما يتمثل في سرد هذه الأدلة وجمع شتاتها، وتوضيح ما احتاج منها إلى توضيح، ونقض ما أثير حولها من شبهات.
والله وحده المستعان والموفق لما فيه خيرا الدنيا والآخرة والهادي إلى سواء السبيل.
المبحث الأول
الأدلة على فرضية النقاب من كلام رب العالمين