مذهب مالك - ، نقل ابن خلدون عبارته فقال: « ومن خرج عن مذهب مالك فلا يلومن إلا نفسه» .وهذا الشيء لا يزال موجودا إلى الآن، ومعلوم أن في المغرب المذهب الرسمي -كما يقال- مذهب مالك، وفي تعيين القضاة في الأحوال الشخصية التي هي ما بقي من مذهب مالك فقط ،ويوصى بأن لا يخرج القضاة عما في مدونة الأحوال الشخصية ،وما لم يكن في المدونة فالحكم فيه بالمشهور والراجح من مذهب مالك، وما جرى به العمل من مذهبه، ولا يخرج القضاة عن هذا أبدا.
وهكذا ظلت هذه المذاهب بين جزر ومد حسب قوة السلطان وأهواء الحكام، والناس على دين ملوكهم -كما قيل قديما-، ولما حكم العبيديون مصر، وهؤلاء روافض شيعة باطنيون، فرضُوا فيها مذهب الرفض ،وعانى منه المسلمون الأمَرَّين، إلى أن أذهبه الله على يد صلاح الدين الأيوبي ، وكان أشعريًا متعصبًا شافعيًا، فقوى هذان المذهبان بسبب ذلك، ( يعني المذهب الشافعي والأشعري ) ، ثم لما توارد على حكم الشام ومصر المماليك، ( المماليك البحرية والبرجية) وأغلبهم جهلة، وإنما كانوا أناسًا عسكريين شُجعانا، تنافسوا في بناء المدارس لفقهاء المذاهب حسب ميولهم وأهوائهم، فكثرت في عواصم العالم الإسلامي، وأهم مدنه،ووقفوا عليها الأوقاف الغنية، فكانت من أسباب ظهور التعصب المذهبي, واستفحال شأنه، إلى أن أصبح مَرَضًا مُزمنا لم يَنفع فيه علاج ، وزاد من تمكنه ورسوخه: انحيازُ كبار الفقهاء والأئمة إلى ما اختاروه من المذاهب على حساب الحق، فكثُرت المناظرات، إلى أن أفضت إلى منازعات ومواجهات، أريقت فيها دماء، وانتهكت أعراض ،وخربت بلدان ،كما تراه مبسوطا في البداية والنهاية لابن كثير، والمنتظم لابن الجوزي، وأنشأ الظاهر بيبرس (هذا ملك مملوكي مشهور بمصر والشام) ، القضاء والفتوى على المذاهب الأربعة ، وهو أول من عين الفقهاء والقضاة على المذاهب الأربعة ، وهذا التقليد لا زال حيا إلى الآن فكان لكل مذهب قاضٍ ومُفْتٍ ، وظل الأمر كذلك إلى الآن .