أحمد، وخَرَّج هذا أحاديث"بداية المجتهد"لابن رشد فأجاد وأفاد وطبع الآن. وهذا بقطع النظر عن صحة هذه الأدلة وسَلاَمتها من الطعن ، لأن المقصودَ هو الاستدلال لمسائل المذهب حسب أصوله، وهذا مختصر خليل المبيِّن لِمَا به الفتوى، ومعلوم شدة عناية المالكية به، وخدمتها له بمختلف الوجوه إلا بالاستدلال والتأصيل، وقد تجاوزت شروحُه وحواشيه المائة ، إلا محاولات مُحتَشمة لا تقوم على رجليها، قام بها بعضُ الشناقطة أخيرا.وحدثني الأخ الدكتور توفيق الغلبزوري أنه لقي بالجزائر الدكتور وهبة الزحيلي فشكا إليه هذا ما لقيه من عنت في تصيد دلائل فقه مالك من كتب غيره عند تأليفه كتابه"الفقه الإسلامي وأدلته"المطبوع. وبالمقارنة نجد عند فقهاء المذاهب الأخرى دواوين حافلة بالتأصيل، والاستدلال والتعليل، بل حتى كثير من المتون الصغيرة لا تخلو من ذلك. والكلام في هذا الموضوع طويل الذيل. فلنكتف بهذا الإلماع، لِنَخْلُصَ للإشارة إلى أدلة مذهب مالك فنقول بادئ ذي بدء:
بإنها لا تبلُغ عند الآخرين ما بَلَغت عند المالكية الذين أَوصَلُوها إلى ستة عشر أو سبعةَ عشَر دليلًا، وهي إنما عُرفت بالاستقراء، لا بنص الإمام، أو كبار أصحابه: كابن القاسم ، وأشهب ، وابن وهب ، والمغيرة . وإذا تأملها القارئ الواعي وَجَدها تنزل إلى النصف لتداخل بعضِها، وقد انفرد المذهب المالكي بعمل أهل المدينة، ونُوزع في ذلك مالك رحمه الله عَلَى أن الصواب فيه: أنه في غير ما يتناوله الاجتهادُ والرأي ، وإنما هو فيما سبيلُه التوقيف كالصاع والمد، ومَن وَقَف على نقد أبي محمد ابن حزم في كتابه الممتع:"الإحكام، في أصول الأحكام"، جزم بضعف هذا الأصل عن الوقوف أمام الوحيين، والإجماع، والقياس الجَلِي، وهذا ما أجمع عليه المسلمون من أهل السنة والجماعة حتى الظاهرية نفاة القياس، فإنهم إنما ينفون القياسَ الخفي . وقد عاب الناسُ غلو المالكية في دَعوَى عمل أهل المدينة، بينما لم تتجاوز مسائل العمل عند الإمام في الموطأ المائتين ونيفًا، وبلغ مجموعُها في أمهات المذهب نحوَ الأربعمائة ، ومن الواضح أن