الصفحة 54 من 105

فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [البقرة:78] ، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.

فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر, وقد كذبوا على طريقة السلف, وضلوا في تصويب طريقة الخلف؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف (1) .

قلت: ومن الدليل على تجهيلهم للسلف قول المعترض في"الفرق العظيم" (ص38) : هذا مع ملاحظة إمكان فهم شيء لم يفهمه السلف أو بالأصح لم يهتموا كثيرًا بتدقيقه وتنقيحه .. فتأمل .

وجعل التفويض مذهب السلف: قال في"الفرق العظيم" (ص11) : هذا هو مذهب السلف رحمهم الله تعالى فهم يفوضون في المعنى, ولا يفسرون فأين هذا المذهب من قول من يفسر وينسب لله تعالى اليد الجارحة والاستواء الذي هو جلوس واستقرار ومماسة ونزولًا هو حركة وانتقال وغير ذلك.

قلت: أما قوله أن السلف يفوضون المعنى فهو من الكذب عليهم، بل السلف يثبتون المعنى المراد, ويفوضون الكيفية, وقد نقل المعترض (ص25) قول الشهرستاني: وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل, ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم مالك بن أنس إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة, ومثل أحمد بن حنبل.

قلت: ومن المعلوم بداهة أن قول الإمام الاستواء معلوم أي معلوم في لغة العرب؛ وهو العلو والارتفاع, وقوله والكيفية مجهولة أي نفوضها فلا أحد يعرف كيفية استوائه إلا هو سبحانه فتأمل.

(1) مجموع الفتاوى" (5/9) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت